الرئيس شي جي بينغ يسعى لتكريس السوبرمان الصيني

الأحد 2014/03/16
على خطى روسيا في أوكرانيا الصين تطمع في اليابان

يتخوّف العالم اليوم من المبادئ التي يتم تكريسها رويداً رويداً في ظل تعطيل مجلس الأمن، وغياب الدور الأميركي الذي لم يعد يخفى على أحد بسبب رئيس متردد وإدارة تعترف بانسحاب الولايات المتحدة من خرائط النفوذ في العالم.

وعلى هذا النحو، الذي تم استعراضه طويلاً وخلال ثلاث سنوات في سوريا، بعد حماية روسيا لنظام الأسد وعدم قدرة المجتمع الدولي على منع دكتاتور من قصف شعبه واستخدام أسلحة الدمار الشامل ضدّ المدنيين، كانت الخطوة التالية في أوكرانيا التي وقع جزء منها اليوم تحت احتلال تقليدي مباشر من القوات الروسية، وتمضي على طريق الضم، مما يثبّت شرعية الغزو في الذهن العالمي، ويعيد إلى الذاكرة مناخات بدايات القرن العشرين.

لم يكن غائباً عن متغيرات العالم، التنين الصيني المتربّص، الذي ينمو بسرعة هائلة، مستغلاً انشغال العالم بمشاكله، فبدت الصين بعيدة عن بؤرة اهتمام المجتمع الدولي، ولكنها تقدّمت خطوات مؤخراً حين أفصحت هي الأخرى عن دورها في الإقليم النائي في شرق آسيا.


الرئيس الصيني صاحب التطلعات

شي جين بينغ السكرتير العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني المنتخب ورئيس جمهورية الصين الشعبية، الذي جاء بعد جين تاو، خلال العام 2013، ليبدأ التغيير في الصين على الطريقة الصينية، يتحدّر من قومية “هان” الغالبية السكانية في الصين والتي تمثّل أكثر من 90 بالمئة من عدد السكان، ولد في العام 1953، وانضم إلى الحزب الشيوعي الصيني في يناير من عام 1974، ليدرس العلوم الاجتماعية والإنسانية في جامعة تسين جهوا الصينية ويتخصص في النظرية الماركسية والتعليم الإيديولوجي، ثم حصل على الدكتوراه في القانون، ثم حاكماً لمقاطعة فوجيان ثم مسؤول منظمة الحزب في مدينة شنغهاي عام 2007.


منطقة دفاع جوي صيني

لم تبدأ الأمور في الشهر الثاني من العام 2014 الجاري، ولكنها تصاعدت حين قالت وزارة الخارجية الصينية إن بكين لا تشعر بتهديد من دول جنوب شرق آسيا بل وتشعر بتفاؤل بشأن الوضع في بحر الصين الجنوبي المتنازع عليه مع اليابان، وحذرت الصين اليابان من “نشر شائعات” حول خطط لإقامة منطقة جديدة للدفاع الجوي، وقالت صحيفة أساهي شيم بون اليابانية إن الصين تفكر في إقامة منطقة مماثلة في بحر الصين الجنوبي يفترض أن تبلغ فيها الطائرات الأجنبية تحركاتها للصين مما دفع وزارة الخارجية الأميركية إلى التحذير من القيام بمثل هذه الخطوة، وكان إعلان الصين منطقة للدفاع الجوي في بحر الصين الشرقي العام الماضي أثار قلق اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة، و ألمحت الصين إلى انه لا يوجد ما يدعو لإقامة مثل هذه المنطقة في بحر الصين الجنوبي حيث توجد مطالب بالسيادة على تلك المنطقة من الصين وفيتنام وماليزيا وبروناي والفلبين وتايوان، وأضافت: “بشكل عام الصين لا تشعر بوجود تهديد أمني جوي من قبل دول آسيان”.


عالم برأسين.. الصين وروسيا


وكانت أول زيارة رسمية للرئيس الصيني الجديد “شي جين بينغ” إلى الجارة الحليفة روسيا، في رسالة دولية تهدف إلى تعزيز الشراكة ما بين قطبين وحيدين في آسيا، نمت علاقتهما الاستراتيجية طيلة السنوات الأخيرة، وقد وصف الرئيس بوتين زيارة شي جين بينغ بـ “الرمزية” ورأى الخبراء وقتها أنه من الواضح أن البلدين لديهما الآن مصالح وأهداف مشتركة، حيث يظهر جلياً أن علاقات الصين بالولايات المتحدة تمر بظروف صعبة، إذ يحاول الأميركيون بكل الوسائل وقف النمو الصيني ووقف التوسع الصيني في جنوب شرق آسيا ودول المحيط الهادي، واستغلال العلاقة المتوترة للغاية بين الصين واليابان.

أما روسيا فلديها مصلحة كبيرة في تعزيز العلاقات مع الصين، والنظر في هذه العلاقة ليس فقط كبديل اقتصادي، ولكن كبديل سياسي. فتبدو مسألة إقامة علاقة وثيقة مع الصين من شأنها أن تقوي موقف روسيا في حالة المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.

وفي الوقت الذي يتصاعد فيه تهديد كوريا الشمالية، بعد صعود زعيمها الجديد، والإجراءات التي اتخذها لتثبيت حكمه، ومنها ما كان عنيفاً للغاية، كتنفيذ حكم الإعدام باستخدام الكلاب المتوحشة الجائعة، بحق زوج عمته ووصي العرش قبل وصوله شخصياً للحكم، وإجراء كوريا الشمالية لتجاربها النووية العديدة، وإطلاق صواريخ تسببت في هزات أرضية، ظهرت الصين مخالفة للعالم في دفاعها عن النموذج الكوري، فقد شدد وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، على أن بلاده تعتبر كوريا الشمالية بمثابة “خط أحمر”، وقال في كلمة في الجلسة السنوية للبرلمان الصيني،” إن بكين لن تسمح بحرب أو اضطرابات في شبه الجزيرة”، وقال وانغ إن “بالنسبة للقضايا المبدئية التاريخية والإقليمية، لا مجال للتنازل، فإذا أصر بعض اليابانيين على التنصل من تاريخ بلادهم العدائي؟”.

ظهرت الأزمة بين بكين وطوكيو بعد إعلان الصين في خريف العام 2013 إنشاء"منطقة دفاع جوي" تشمل الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي، مع أن الاتفاقية الأمنية بين واشنطن وطوكيو تجبر أمريكا على التدخل العسكري لحماية تلك الجزر

وأضاف أن اليابان لا تريد الاعتراف بأنها احتلت أجزاء من الأراضي الصينية في الحرب العالمية الثانية، وقد توترت العلاقات بين بكين وطوكيو خلال الأشهر الأخيرة، في شأن نزاع حول السيادة على جزر غير مأهولة تقع في بحر الصين الشرقي.


خرائط الحرب العالمية الأولى تعود

وكان وزير الخارجية الصيني قد كرر التحذير من أن بكين ستدافع بقوة عن سيادتها، مؤكدا أنه “ليس هناك أيّ هامش لتسوية” مع اليابان حول القضايا المتعلقة بالأراضي أو بالتاريخ، وقال وانغ يي في مؤتمر صحافي إن “موقفنا محدد وواضح. لن نستملك ما لا يعود لنا لكننا سندافع عن كل شبر من الأرض التي نملكها”. يذكر أن الصين تخوض نزاعات حادة مع جاراتها وعلى رأسها اليابان، وكان رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي حذر من أن النزاع على الأراضي يذكره بالتوتر الجيوسياسي الذي أدى إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى في 1914 على الرغم من المبادلات التجارية الكبيرة بين ألمانيا وبريطانيا، فرد عليه وزير الخارجية الصيني: “أريد أن أشدد على أن 2014 ليس 1914 وليس 1894 أيضا”، السنة التي اندلعت فيها حرب صينية يابانية انتهت بانتصار مدو لليابان وهزيمة ساحقة للإمبراطورية الصينية، وتساءل الوزير الصيني “بدلا من الحديث عن ألمانيا ما قبل الحرب العالمية الأولى، لماذا لا ننظر إلى نموذج ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية”.


دور واشنطن


وقد حاول وزير الخارجية الأميركي جون كيري التدخل في الأزمة ما بين الصين واليابان، بعد تزايد الشكاوى من حلفاء واشنطن في آسيا من الصين، الذين باتوا قلقين من نزوعها لتمديد مناطق نفوذها من حولهم، وتطالب الصين بفرض سيادتها على بحر الصين الجنوبي بما فيه المناطق النائية جداً عن شواطئها، مثيرة بذلك قلق الفيليبين وفيتنام، لكن الخلاف الأكبر ما يزال مع اليابان، مع أن الجزر التي تتنازع الصين واليابان عليها، تشملها معاهدة الأمن التي تستدعي تدخل الولايات المتحدة في حال تعرض حليفتها اليابان إلى هجوم من بلد ثالث، ولكن الصين لا تكترث لهذا.


السوبرمان الصيني

وقد بدأت الصين حملة إعلامية وثقافية وسياسية شاملة ضد اليابانيين، بدءاً من عرضها أبطالاً تلفزيونيين يقاومون الاجتياح الياباني للصين في ثلاثينات القرن العشرين، وكذلك “معلم الكونغ فو” صاحب القدرات الخارقة الذي يمزق أجساد الجنود اليابانيين وسط حمام من الدماء، وتصف اليابان الصين بأنها دولة عسكرية عدوانية على لسان مسؤوليها الكبار، الذين شبّهوا سلوك الصين بسلوك ألمانيا حيال بريطانيا عشية الحرب العالمية الأولى، وتدهورت الأمور بين اليابان والصين بعد إعلان الصين في 23 تشرين الثاني ـ نوفمبر من العام 2013 إنشاء “منطقة دفاع جوي” تشمل الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي مع أنها مجموعة جزر صغيرة غير مأهولة، تسيطر اليابان عليها وتسميها سنكاكو، في حين تطالب الصين بها مطالبة حازمة وتطلق عليها “دييايو”.

ودفعت الصين بالآلاف من المتظاهرين لإلقاء البيض والعبوات البلاستيكية على سفارة اليابان، واستحضر السفير في لندن لوي تسياومنغ في مقال نشرته صحيفة “ديلي تلغراف” شخصية اللورد فولدمورت الشريرة من سلسلة هاري بوتر ليدين الميول العسكرية لرئيس الوزراء الياباني.


الاقتصاد الصيني بوابة النفوذ

وقد حرص الرئيس الصيني شي جين بينغ على التأكيد في كل مناسبة أن بلاده واثقة من تحقيق النمو الاقتصادي المستدام والصحي، وإنها ستعزز حملة الإصلاح والانفتاح، وكثيرا ًما قال إن هناك عوامل كافية تدعم التنمية الاقتصادية للصين ” إننا على ثقة بأن الاقتصاد الصيني سيواصل النمو بطريقة مستدامة وصحية”، مكرراً: “كلما تقدمت الصين، زاد انفتاحها”، وفي الجانب العسكري أظهر بينغ اهتماماً عالياً بتطوير القوات الصينية، فقد دعا مؤخراً القوات المسلحة إلى دعم قيادة الحزب الشيوعي الصيني وتعزيز البناء الحزبي في الجيش. وقال شي: “إن الولاء للحزب الشيوعي الصيني هو الروح وقوام الحياة لجيش التحرير الشعبي الصيني، وإن المهمة الأولى لتعزيز بناء الحزب في القوات المسلحة هي ضمان القيادة المطلقة للحزب الشيوعي الصيني”.


مكافحة الفساد مركبة العبور

وفي بداية العام 2014 أكد بينغ ضرورة استمرار جهود مكافحة الفساد بصرامة واستمرار دائمين وقال: “ينبغي أن تكون لدينا العزيمة لمحاربة جميع مظاهر الفساد، ومعاقبة كل مسؤول فاسد والقضاء بشكل مستمر على البيئة التي ينمو فيها الفساد، حتى نكسب ثقة المواطن بنتائج فعلية”، ورفع لافتة العقوبات بالقول: ” يتعين علينا ألا نخفف من استخدام العقوبات إذا كنا نريد السيطرة على أعضاء الحزب بصرامة”، مؤكدا على ضرورة ضرب “النمر والذباب” بالنسبة للمسؤولين الفاسدين على جميع المستويات. ولكن أهم ما يتردد على لسان الرئيس الصيني هو العبارة التالية “مع زيادة تنمية الصين، فإنها ستتحمل المزيد من الالتزامات الدولية وستقوم بدور أكبر في الشؤون الدولية بالإضافة إلى إصلاح النظام الدولي”.

وباستعراض محطات حياة الرئيس بينغ الشخصية والسياسية، يمكن تلمّس النزعات الخاصة به، علاوة على إرساله ابنته للدراسة في هارفارد، وزواجه من مغنية وراقصة أوبرا، في تجسيد عميق للثورة الثقافية التي أطلقها ماو تسي تونغ، قبل سنين، وكانت ثمرتها مجاعات اضطرت الشعب الصيني لأكل جثث الموتى، ولكنها بنت الصين كقوة عسكرية دولية.

1