الرابحان في معارك جنوب السودان

الاثنين 2013/12/30

لم يكن أشد المتشائمين بمستقبل جنوب السودان بعد الانفصال، يتوقع أن تصل الاشتباكات لهذا المستوى، التحامات مسلحة في أكثر من منطقة، واستيلاء على مدن وقرى لصالح معارضي النظام، ودخول العنصر القبلي بقوة على الخط، ومقابر جماعية، وتهديدات لمصالح قوى إقليمية ودولية، وتبني مجلس الأمن لقرار بالإجماع قضى بمضاعفة أعداد قوات الأمم المتحدة لحفظ السلام، وما إلى ذلك من خطوات وتحركات أشارت إلى أن هذا البلد الوليد على فوهة بركان، يمكن أن ينفجر بقسوة في وجوه عدد معتبر من الزعامات التي راهنت على استقراره، لكن هناك قيادتين كشفت الأحداث المتلاحقة أنهما الأكثر استفادة نسبيا من التوتر الجاري في جنوب السودان.

القيادة الأولى، هي رياك مشار النائب الأول السابق للرئيس سلفا كير، والذي وصلت الخلافات بينهما حد إقصاء الأول من مناصبه الرسمية والحزبية، وتكمن معالم الفائدة في مجموعة من الملامح الرئيسية، فمشار معروف بمشاكساته الدائمة لقياداته السابقة، حدث ذلك مع الراحل جون قرنق وانشق عنه، وكاد تمرده عليه أن يؤدي إلى ضياع التوافق الجنوبي حول أجندة سياسية واحدة، فضلا عن الخسائر المادية والمعنوية بسبب الحروب الطاحنة بين ميشليات رياك مشار وقوات الجيش الشعبي، وحدث ذلك أيضا مع الرئيس عمر البشير، الذي اختلف معه حول تطبيق اتفاقية السلام لتقرير مصير الجنوب، واضطر للعودة إلى الغابة ثم إلى جوبا، وفي كل محك كان مشار يربح في البداية، ثم يأتيه الخسران المبين.

الآن يتكرر المشهد نفسه تقريبا، فالطريقة التي يتعامل بها الرئيس سلفا كير منحت خصمه جملة من المكاسب السياسية، حيث ظهر في صورة الراضخ لمبدأ التفاوض والحوار مع صانع لمحاولة انقلابية، كما أن المجتمعين الإقليمي والدولي يتعاملان مع مشار كندّ عنيد لرئيسه، لأن هناك رغبة عارمة لضبط الأمور ومنع انفلاتها أمنيا وسياسيا، وبدون جلوس الطرفين على الطاولة سيتعرض الجنوب إلى فوضى، قد يصعب التحكم في المدى الذي سوف تصل إليه.

المؤكد أن مشار قرأ التطورات الخارجية، ونجح في الإمساك بعدد من المفاصل الداخلية، التي جعلت جهات متعددة تستجير به وتسمع كلامه، وتعطي لخطابه الرافض لرئاسة سلفا كير قيمة معنوية، مع أنه في نظر الحركة الشعبية “انقلابيا” وفي تقدير غالبية قياداتها “متمردا”، لذلك سلك الرجل طريقين لتعزيز نفوذه، أحدهما السيطرة على مساحات شاسعة من الأراضى في الدولة، وتمكين قواته من الدفاع عنها وعدم التفريط فيها، قبل أن تصل طلائع القوة الجديدة لحفظ السلام. والطريق الآخر المبالغة في تقزيم الرئيس سلفا كير، ووضع شروط أقرب إلى التعجيزية، ما ترك انطباعات بالثقة في النفس، والقدرة على مواصلة المعارك لفترة طويلة، ناهيك عن بث الفرقة في الجيش الشعبي، والعودة لأولوية الولاءات القبلية، لإجبار الجميع على النظر لمشار كرقم أكبر، أو على الأقل مساو لسلفا كير. المشكلة أن مشار وسط تضخيم انتصاراته العسكرية، وتسجيله لعدد مهم من النقاط السياسية في مرمى سلفا كير، تجاهل بعض النقاط، فهو أصبح في صف المعارضة في النهاية، وهذا معناه تصريح بأن يقوم كل المعارضين (وهم كثر) في المنطقة بمثل ما أقدم عليه مشار، كما أن الغرب الذي يدعم سلفا كير أصلا، إذا سمح بتفوق مشار من خلال طاولة المفاوضات، سيفهم أنه تخلى عن الرئيس وأنه مرتاح للمحاولة الانقلابية التي قلبت الموازين في الجنوب، مع أنها فشلت ومن الواجب محاكمة المسؤولين عنها، من هنا أعتقد أن جر الطرفين إلى الحوار سينتهي بنصب “خيمة” يتم اصطياد رياك مشار منها، تقود إلى تمكين الرئيس من بسط سيطرته وعودة الأوضاع إلى ما كانت عليه، وقد علمتنا خبرة التعامل مع أداء مشار أنه يربح مؤقتا ويخسر دائما، لأنه يستعجل قطف الثمار، ويقفز على النتيجة قبل حدوثها فتتغير في الوقت بدل الضائع.

أما الرابح الثاني، فهو الرئيس عمر البشير، الذي جاءته اشتباكات الجنوب كحبل إنقاذ على أكثر من مستوى، فقد أكدت أن الانقسامات الجنوبية سبب مباشر لتعثر حل القضايا الشائكة بين البلدين، وأن الفترة التي ابتعدا أو تخاصما فيها كانت بفعل محركات جنوبية سعت إلى تغذية الصراع بينهما، بدليل أن التخلص من بعض القيادات أفضى إلى هدوء ظاهر، كما أن ارتباك الأوضاع في الجنوب، يؤجل حسم ملف أبيي الذي بدا موقف الخرطوم فيه ضعيفا، ويمنحها (الارتباك) مجالا لترتيب أوراقها على الأرض، فضلا عن انحسار الدور المسلح الذي تلعبه “الجبهة الثورية” بدعم من جوبا في جنوب كردفان ودارفور، وكذلك تراجع المردود الدولي لنشاطها السياسي، لأن العالم وضع توترات الجنوب قبل هموم السودان، ولعل تحريك أعداد من قوات حفظ السلام من دارفور إلى الجنوب يعزز هذا الاستنتاج، ويؤكد أن ثمة هدوءا في الغرب، عكس ما تسعى “الجبهة الثورية” لتصويره.

الرئيس البشير استردَّ جزءا من عافيته السياسية، بعد أن تيقن العالم أن أوضاع جاره الجنوبي أكثر قتامة مما هو حاصل في السودان، ولا يعني ذلك تخفيف الضغوط عليه فقط، بل أيضا لم يعد مضطرا لتقديم تنازلات لمعارضيه، ولم يعد بحاجة لامتصاص غضب الجماهير، لكي تمتنع عن الخروج في مظاهرات واحتجاجات، كما أن بإمكانه إعادة النظر في ميله لعدم الترشح لفترة رئاسية جديدة، فقد جاءته الاضطرابات التي تحيط بسلفا كير مثل حبل إنقاذ في الوقت الذي تكاثرت فيه السحب في سماء الخرطوم. لكن من الضروري مراعاة أن ما ربحه البشير بفعل تطورات شائكة، يمكن أن يخسره، إذا تعامل مع الجنوب على أنه سيبقى أثيرا لشبح حرب أهلية منتظرة، لأن القوى ذات المصالح الحيوية في الجنوب، سوف تبذل جهودا مضنية للابتعاد عنها.


كاتب مصري

9