الرابحتان من العدوان على غزة

الاثنين 2014/07/14

طبعا إسرائيل قامت بالاعتداء على غزة لتحقيق جملة من المكاسب الأمنية والسياسية، وسواء حققتها أو أخفقت في الوصول إليها، فهي مفهومة ومعروفة، ومن السهولة التوصل إليها، لكن هناك طرفين مهمين، سوف يحققان نصرا مختلفا، مهما كانت نتيجة العدوان الإسرائيلي على القطاع، وهما حماس ومن خلفها إيران.

فقد جاءت العمليات العسكرية الأخيرة كطوق نجاة وخلاص للأولى من أزمة سياسية كادت أن تعصف بها، وقدمت للثانية مزايا نسبية تساعدها على إعادة ترتيب أوراقها الإقليمية، ويبدو أن كلا منهما كانت تنتظر هذه اللحظة، حتى يتسنى تأكيد دورها في المنطقة وجني مجموعة من الأرباح الثمينة، تعزز مكانتها في بعض القضايا الحيوية، بما يردع محاولات كبح الجماح التي تحاول جهات متعددة القيام بها.

الحاصل أن حماس تسعى إلى استثمار العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ليس لكي تعود القضية الفلسطينية إلى الواجهة، عربيا ودوليا، لكن حتى تعود الحركة إلى تصدر المشهد مرة أخرى، بعد أن أصيبت بانتكاسة سياسية، عقب تورطها في عمليات أضرت بالمصالح المصرية، عندما كانت جماعة الإخوان في سدّة الحكم، كما أنها ارتكبت حماقات سياسية مختلفة، أثرت على مركزيتها في حقل المقاومة الفلسطينية، وقبلت بمصالحة شكلية مع الرئيس محمود عباس، كنوع من الانحناء للعواصف السياسية فقط، لأن موقفها الضعيف أوصلها إلى الانصياع لأشياء رفضتها من قبل، وبالتالي لم تفوت الفرصة لاستثمار العدوان، وبالغت في شروطها التعجيزية لوقفه، ورفضت تدخل وسطاء للتهدئة، أملا في أن تقف على رجليها مرة ثانية.

سواء كان العدوان مقصودا منه دعم حماس، فلسطينيا وعربيا، أو الحدّ من صواريخ المقاومة فعلا وإجبار أبو مازن على تليين موقفه في المفاوضات، فالحركة عادت تتصدر المشهد السياسي والأمني، باعتبارها جزءا أساسيا في المعادلة الفلسطينية، وهو ما يسحب من رصيد غريمتها حركة فتح، ويمنح الأولى فرصة للتنصل مما قبلته سابقا بخصوص المصالحة وحكومة الوحدة الوطنية وشروط التسوية السياسية، لذلك تسعى إلى إطالة أمد الصراع، بصرف النظر عن الخسائر البشرية التي يتكبدها الشعب الفلسطيني في غزة، كما أن العدوان جعل مصر تغض الطرف عن تصرفات حماس السلبية، وتضطرّ للدخول في حوارات مباشرة معها للبحث عن حل له، وتفتح القاهرة معبر رفح الحدودي وتستأنف تقديم المساعدات الإنسانية، بعد فترة من القطيعة.

إذا كانت حماس فكرت بهذه الطريقة البراجماتية، فإن إيران هي المستفيد الثاني الخفي، وقد يكون العدوان الإسرائيلي جاءها على طبق من فضة، ليعيد إليها حليفتها حماس، التي كانت أظهرت قدرا من التململ حيال طهران، ومالت بعيدا عنها، وربما أوشكت في وقت سابق أن تفقد هذه الورقة، لكن العدوان على غزة أجبر الحركة على العودة بلا تردد إلى حضن إيران، لزيادة وتيرة الدعم الذي تأثر بمواقف حماس التي لم تكن طهران راضية عنها، وعقب سقوط حكم الإخوان في مصر لم تجد الحركة بدّا من العودة إلى الفيلق الإيراني، الذي سيتزايد جراء تواري الداعمين الآخرين لها، لكنها عودة بدت ذليلة، والآن تستردّ زخمها.

حسابات طهران لا تتوقف عند حماس، فأزمة العدوان سوف تربك أيضا تقديرات بعض اللاعبين في سوريا، وقد تبعد أنظارهم عنها، بما يسمح لدمشق بمواصلة تجاوزاتها وسط صمت إقليمي وغياب رد الفعل الدولي، وفي النهاية تتمكن إيران من مواصلة تثبيت أركانها هناك، ومن الممكن أن تضطرّ القوى الرئيسية للتعامل على مضض مع نظام الأسد، وتتراجع فكرة الضغط على طهران لفك طلاسم تحالفها مع دمشق، كمدخل لإنهاء حكم الأسد، وكأداة لإجبار إيران على القبول بصيغة للتفاهم معها حول عدد من الملفات الشائكة، وفي مقدمتها ما يعرف بالأزمة النووية.

مكاسب طهران من العدوان تتجاوز ذلك بكثير، لتصل إلى حدّ العراق، حيث شغلت المنطقة بتنظيم “داعش” وبدأ البعض يتيقن من وجود دور إيراني يقف وراء صعود هذا التنظيم، وكيلت الاتهامات لحث طهران على فرملة تدخلها المستمرّ في العراق، وأصبح موقفها محرجا أمام عدد من الدول العربية، فهي لن تستطيع التخلي عن حليفها نوري المالكي، ولن تتمكن من الاعتراف بتغذية البعد الطائفي، لذلك جاء هذا العدوان لينقذها من ورطة “داعش”، وتنشغل جهات إقليمية مؤثرة بغزة وما يجري فيها وحولها، وتخف الانتقادات الموجهة إليها بسبب دورها في العراق.

كما أن إسرائيل المنشغلة بالحديث عن هيمنة إيران وملفها النووي، بدأت تلتفت إلى ما يدور في القطاع، وتجرّ معها الكثير من حلفائها إليه، ناهيك عن مصر التي تطمح إلى القيام بدور إقليمي ومساندة الدول الخليجية، وجدت نفسها مهمومة، دون إرادتها بغزة، الأمر الذي يخفف تطلعاتها للتأثير في قضايا أخرى، من بينها طموحات طهران في منطقة الخليج، من هنا تسير التطورات، عن قصد أو من دونه، لصالحها، وتحاول توظيف الموقف لتحقيق مكاسب سياسية كبيرة، وكأن إسرائيل قامت بما تقوم به في القطاع لدعم حماس، وتفتيت الجبهة المناهضة لإيران، أو على الأقل شغلها بقضايا بعيدة عنها، حتى تظل لطهران اليد الطولى في المنطقة تدفع بها من تريد أن تناطحهم من خصومها، وتقلق من يريدون تحجيم دورها.


كاتب مصري

8