الرابحون والخاسرون في زمن العولمة

الخميس 2014/06/05
يقول المؤيدون للعولمة إنها تخلق مدا اقتصاديا عاليا يرفع القوارب

لندن - سلّط الجزء الثاني من مؤتمر لندن حول “العولمة والنظام العالمي” الضوء على العولمة الاقتصادية وتحدّيات هذه الظاهرة إذا واصلت تقدمها دون رحمة، حيث يجد صانعو السياسات على المستوى الدولي أنفسهم أمام تحد يتمثل في جعل العولمة تخدم مصالح أغلبية واضحة من مواطنيهم.

سلّط مؤتمر لندن، الذي نظّمه المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)، الضوء على العولمة، بمفهومها الشامل، وتداعياتها على النظام العالمي. وبحضور مجموعة كبيرة من الخبراء والسياسيين الدوليين ناقش المؤتمر، يوم 3 يونيو 2014، عدّة وجهات نظر حول مفهوم “العولمة” وعلاقته بالمخاطر التي يواجهها العالم وسبل تعزيز التعاون وسد الفجوة بين الحكومات والجهات الفاعلة الأخرى التي تؤثّر في تغيير ميزان القوى في العالم.

الجزء الأول من المؤتمر، اهتمّ بموضوع "العولمة والنظام العالمي: 1914 مقابل 2014"، (نُشر في صحيفة العرب 03 /06 /2014، العدد: 9578)، وجاء فيه أن العالم اليوم يعيش مرحلة انتقال جيوسياسي جديدة، تبدو في مظاهرها شبيهة بمرحلة الانتقال التي عاشها العالم في الفترة التي سبقت اندلاع الحرب العالمية الأولى.

رغم هذا التشابه، إلا أن الخبراء والمشاركين في المؤتمر دعوا إلى أخذ العبر مما حدث في الماضي دون ضرورة اتباع مسار مشابه لما حدث في القرن العشرين. فالعولمة جعلت العالم مختلفا كثيرا عما كان عليه في القرن الماضي. والحل لإعادة توازن العالم يكمن، وفق يان الياسون نائب الأمين العام للأمم المتحدة، في ثلاث ركائز هي: “السلام والتنمية وسيادة القانون”. من جانبه يرى الاقتصادي مايكل رايك أن “واحدا من أكبر التحديات التي نواجهها في العالم هو عدم وجود الثقة في المؤسسات”.

الجزء الثاني من المؤتمر، اهتمّ بـ”الرابحين والخاسرين من العولمة”، وفيه تطرّق المشاركون إلى هذا المفهوم الذي يقول عنه مارتين وولف إنه “عبارة بشعة ذات معنى غامض”. فيما اعتبرها الخبير ليو بوري “مشكلة جيدة يمكن أن نواجهها. والناس يحتاجون إلى الوصول إلى العولمة، لا الحماية منها”.

قليلة هي المفاهيم في العلاقات الدولية التي تستعمل بنفس التواتر والتوسع في المعنى مثلما هو الحال مع مفهوم “العولمة”. ويبدو أن استعماله في تراجع ربما بسبب غموضه. وبالرغم من ذلك ما تزال عبارة “العولمة” تستعمل بمثابة اختصار لعدد من النزعات طويلة المدى في الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة التي عززت ترابط العلاقات بين الناس والسياسة والإنتاج، وقلصت من أهمية الحدود بينها.


العولمة الاقتصادية


كان للاندماج الاقتصادي آثار عميقة ومتنوعة على اقتصادات البلدان المتقدمة والنامية على حد السواء. وقد يكون ذلك هو الرد الحتمي على التناقضات التي أوجدها الاقتصاد العالمي المندمج: زيادة في الثروة الجملية مع المزيد من عدم المساواة الاجتماعية، نمو اقتصادي لكن مع ضرر للبيئة، منتوجات أرخص لكن هناك تنافسا في تدني الأجور في بعض القطاعات، زيادة في الطبقة المتوسطة بالتوازي مع فقر عنيد.

ومن خصائص الاندماج الاقتصادي العالمي التي رصدها تقرير خبراء "تشاتام هاوس":

شهد العقدان الأخيران نموا كبيرا في الثروة العالمية. مثلا ارتفع الناتج العالمي الخام إلى أكثر من ثلاثة أضعاف بين 1988 و2008.

نصيب الاقتصادات الناشئة يمثل نسبة ما انفكت تتزايد من الإنتاج العالمي. نمو الاقتصادات الناشئة – بالخصوص الصين والهند – بصدد تغيير توزيع القوة الاقتصادية العالمية بصفة جذرية. وتشير بعض التقديرات إلى أن البلدان الأعضاء في منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ربما سيمثلون أقلية في الاقتصاد العالمي بحلول 2030.

يمثل صعود الصين الميزة الاقتصادية المحددة لهذا العصر. نما الاقتصاد الصيني من 5 بالمئة من الناتج الداخلي الخام العالمي في سنة 1978 إلى 17 بالمئة في سنة 2011، ويسير في اتجاه أن يصبح أكبر اقتصاد في العالم خلال الخمس عشرة سنة المقبلة.

هناك نمو ضخم في الاقتصاد العالمي. بالرغم من الأزمة الاقتصادية سجلت زيادة بنسبة 50 بالمئة في الموارد المروجة في العشرية الماضية. ويعني ارتفاع أسعار الموارد أن قيمة هذه السلع تضاعفت أكثر من ثلاث مرات في الفترة نفسها.

يان الياسون: "ثلاث ركائز لإعادة توازن العالم: السلام والتنمية وسيادة القانون"

تمت إعادة رسم المشهد الصناعي. سرّع الاندماج الاقتصادي في التغيرات في النشاط الاقتصادي في الغرب. لقد نما قطاع الخدمات بنسبة تقارب 80 بالمئة من عدة اقتصادات غربية بينما تقلصت نسبة الصناعة من الاقتصاد في مجموعة التعاون والتنمية الاقتصادية.

أنماط التجارة تتغير. 30 بالمئة من التجارة العالمة في الموارد هي الآن جنوب-جنوب، إذ تجاوزت في سنة 2010 حجم الموارد المتجهة من الجنوب إلى الشمال. في الوقت نفسه تعادل نسبة التجارة جنوب-جنوب نظيرتها شمال-شمال. وتقوم الآن الاقتصادات الصناعية الكبرى مثل أستراليا والولايات المتحدة وكندا بتصدير كميات كبيرة من المواد الخام إلى الاقتصادات الصاعدة.


العولمة وعدم المساواة


يقول المؤيدون للعولمة إنها تخلق مدا اقتصاديا عاليا يرفع القوارب كلها وإن المستهلكين استفادوا من انخفاض الأسعار. بينما يقول المنتقدون إن العولمة تزيد في حجم التفاوت وتخدم الشريحة الأغنى على حساب الفقراء.

من الصعب قياس عدم المساواة على الصعيد العالمي أو تحديد مدى مسؤولية العولمة الاقتصادية. في هذا السياق تقول دراسة قام بها صندوق النقد الدولي إن الارتفاعات الواضحة الأخيرة في التفاوت داخل الدول تحفّزها التغيرات في التكنولوجيا أكثر من الاندماج الاقتصادي العالمي. كما خلصت الدراسة إلى أن الخصائص المختلفة للاندماج الاقتصادي لها آثار متضاربة على حالة عدم المساواة، إذ يميل تحرير التجارة إلى خلق المساواة، في حين تميل العولمة المالية والاستثمار الأجنبي المباشر خصوصا إلى إحداث أثر عكسي. إضافة إلى ذلك تختلف الآثار بين بلد وآخر.

وفي دراسة حديثة حول عدم المساواة على الصعيد العالمي بيّن البنك العالمي أن مختلف إجراءات عدم المساواة يقود إلى استنتاجات مختلفة حول نتائج التوزيع التابعة للعولمة:

التفاوت بين الدول حسب قياس “مُعامل جيني” المتعلق بمتوسط الدخل سجل ارتفاعا مطردا بين سنة 1980 وسنة 2000 قبل أن يبدأ في الانحدار.

بعد تعديل التفاوت بين الدول حسب حجم السكان يظهر تقلص واضح في التفاوت، وذلك ناجم أساسا عن النمو المرتفع في الصين والهند – البلدين ذوي الكثافة السكانية العالية.

التفاوت العالمي المقاس على أساس المداخيل الفردية عوضا عن متوسط الدخل في الدولة مرتفع لكن يبدو أنه يتجه نحو انخفاض طفيف حيث نزل بمقدار 1.4 نقطة “جيني” بين سنتي 2002 و2008.

وتظهر الجهود لقياس آثار العقدين الأخيرين للاندماج الاقتصادي العالمي على توزيع الدخل العالمي آثارا متفاوتة بشكل ملحوظ:

الرابحون الأكبر هم الأثرى (أعلى من 1 بالمئة من ناحية الدخل عالميا) والطبقات الوسطى في الاقتصادات الناشئة.

- الخاسرون الأكبر هم الأكثر فقرا (5 بالمئة ممن هم في أسفل السلم) حيث لم يرتفع دخلهم الحقيقي بالمرة وفي بعض الحالات سجل انخفاضا.

لكن باستثناء هاتين المجموعتين هناك ارتفاع عام في المداخيل الحقيقية لغالبية سكان العالم، بما في ذلك الثلث الأفقر من بين سكان العالم (فوق 5 بالمئة في الأفقر).

باختصار، بالرغم من أن العولمة أفادت أغلب المداخيل الفردية لم تكن الآثار متساوية كما أن الكثير من الناس لم ينتفعوا بالمرة. وهذا يشير إلى عدد من التحديات:

التأييد لبعض خصائص العولمة التي تخفض التفاوت يمكن أن يضعف بسبب النظرة بأن العملية غير عادلة ومدمرة.

تطوير التربية سيكون عاملا مهما في تمكين المواطنين من التكيف مع المظاهر التي تخل بالمساواة في الاندماج الاقتصادي العالمي.

من الصعب إدارة هذه الآثار المتفاوتة، ويرجع ذلك جزئيا إلى الهوة الموجودة بين السياسة الوطنية والاقتصاد الدولي.


العولمة والدولة الأمة


تتمثل إحدى الخصائص الجوهرية للاندماج الاقتصادي العالمي في التوتر بين القوى الاقتصادية العابرة للحدود والأسواق العالمية من جهة، والدولة الأمة التي هي المنظم الأساس والسلطة السياسية الشرعية على هذه الأسواق من جهة أخرى. ويجادل المعارضون للعولمة أن القوى الاقتصادية العالمية تحد من قدرة الحكومات على فرض الضرائب أو الإنفاق أو تعديل العجز أو إدارته بالطريقة التي تفضلها.

أما المدافعون على العولمة فيقولون إن هذا التوتر مبالغ فيه، إذ تبقى الدولة هي الموزع الأساس لـ”السلع العمومية” مثل الأمن وحكم القانون والحماية الاجتماعية. ووصل البعض إلى حد القول إن القيود المفروضة على الدولة وتضييق السياسات المالية والنقدية تخدم مصالح المواطنين. وباختصار يتلخص رد التكنوقراط في أن الدول المسيرة بطريقة جيدة ليس لديها ما تخشاه.

عبارة "العولمة" تستعمل بمثابة اختصار لعدد من النزعات طويلة المدى في الاقتصاد والتكنولوجيا والثقافة التي عززت ترابط العلاقات بين الناس

بيد أن التوتر حقيقي. صحيح أن العالم “بلا حدود” و”مسطح” كما يدعي المدافعون عن العولمة لكن ذلك نسبي ولا يمكن تغيير حقيقة أن الدولة هي الكيان الأساس للتنظيم السياسي. تعمل الدول على أساس أن حكوماتها تتحكم في ما يحدث داخل حدودها، لكن الدولة الأمة تبقى رهينة عدم استقرار الأسواق الدولية والقيود التي يفرضها المقرضون الدوليون، وهي معرضة أيضا لمخلفات التدهور البيئي وعامل الدفيئة.

يجد صانعو السياسات أنفسهم أمام تحد يتمثل في جعل العولمة تخدم مصالح أغلبية واضحة من مواطنيهم. وإذا واصلت العولمة تقدمها دون رحمة قد يكون التحدي الحقيقي إنشاء هياكل من شأنها أن تحفز التعاون الدولي في إدارة الاقتصاد بدل التنافس. وهناك على الأقل أربعة مجالات من المهم التركيز عليها في هذا الصدد، هي:

- الدفع بأجندا التجارة العالمية. من شأن الأسواق التي تعمل بشكل جيد أن تدعم الازدهار وتقلص التفاوت بين الناس. ويتوجب على الاقتصادات المتطورة والناشئة أن تعمل معا، وفي الوقت نفسه يمكن للاتفاقيات التجارية الثنائية والإقليمية أن تقلل من الحواجز أمام التجارة.

التجسير بين الوطني والدولي. لا يوجد حل واضح للتوتر القائم بين القوى العابرة للحدود والسياسات القومية. ويمكن تلطيف الأجواء عن طريق جعل المؤسسات الدولية أكثر تمثيلية للتغيرات الاقتصادية العالمية، وعبر تعاون دولي أكبر في ميادين غير متطورة حاليا مثل التجارة في الموارد. الكتل الإقليمية ذات الصبغة المؤسسية يمكن أن تحسن التعاون الدولي.

تلطيف آثار التهرم العالمي. يمكن للاندماج الاقتصادي العالمي أن يخفف من بعض أسوأ آثاره عبر زيادة الهجرة والتعاقد الخارجي ونمو الإنتاجية عن طريق أقسام عمالية عالمية. لكن هذا المسار يمكن أن يتم تعطيله سياسيا من قبل مواطنين يولون أهمية أكبر للخيارات المجتمعية بدل النجاعة الاقتصادية الوطنية.

إدارة المخاطر المتعلقة بالمنظومة. تشابك الاقتصادات ولّد الثروة، لكنه أيضا عزز التعرض للصدمات على الصعيد العالمي سواء كانت اقتصادية أو سياسية أو طبيعية. وحتى تكتسب العولمة مرونة وصلابة يجب تعزيز وحماية الأنظمة التي يعتمد عليها الاندماج الاقتصادي (النقل الدولي، الاتصالات الرقمية المفتوحة، الأسواق المالية المنظمة جيدا قانونيا، القانون الدولي). وهذا يتطلب المزيد من التعاون بين الدول على أساس الشفافية والمسؤولية المتبادلة.

6