الرابحون والخاسرون من البريكست البريطاني

يوما بعد يوم تتكشف التفاصيل الصغيرة لزلزال البريكست البريطاني، الذي قلب خارطة الاستثمار والإنتاج والاستهلاك في البلاد، وامتدت آثاره إلى حركة الصادرات والواردات وانعكاسات تراجع الجنيه الإسترليني على سياحة البريطانيين في الخارج وتدفق السياح الأجانب إلى البلاد.
الاثنين 2016/12/12
لندن.. جنة جديدة للمتسوقين الأجانب

لندن - رغم أن مفاوضات الحكومة البريطانية مع بروكسل حول آليات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي لم تبدأ بعد، إلا أن ضعف الجنيه الإسترليني بدأ يتسبب في فوضى عارمة في الاقتصاد العالمي.

ويطرح الأمر تساؤلات كثيرة حول من هم المستفيدون؟ ومن هم الخاسرون في بريطانيا؟ بعد أن تلقى الإسترليني ضربة قوية عقب صدمة البريكست، حيث وصل إلى أدنى سعر له على الإطلاق خلال العقود الثلاثة الماضية. وفي ما يلي بعض المحاور التي تسلط الضوء على تطور هذا الوضع.

حرب أسعار التجزئة

لقد انعكست أكبر عواقب التراجع غير المسبوق للعملة البريطانية على سوق تجارة التجزئة في بريطانيا، حيث أجبر انخفاض قيمة الجنيه الإسترليني، شركة مثل مجموعة نستلة السويسرية على رفع أسعارها في السوق البريطانية، وتسبب أيضا في مصادمات بين شركة يونيليفر وسلسلة متاجر تيسكو البريطانية.

وذهبت تيسكو إلى وقف التعامل مع بعض منتجات يونيليفر في متاجرها، بعد أن رفعت يونيليفر أسعار بعض منتجاتها بنسبة 10 بالمئة.

ومن بين المنتجات زبدة “مارميت” ذات الشعبية الواسعة، مما دفع بعض الصحف إلى تسمية ذلك النزاع بحرب “المارميت”. وقد تراجعت شركة يونيليفر عن قرارها، رغم من أن حرب الأسعار لم تتوقف حتى الآن. في المقابل قفزت مبيعات بعض أنواع السلع، بعد أن أدّى انخفاض قيمة الإسترليني إلى تحويل لندن إلى فردوس للتسوق، وخاصة سلع الرفاهية الفاخرة مثل المجوهرات والإكسسوارات أمام الأجانب الميسورين.

ويؤكد المدير المالي للشركة المالكة لعلامة بيربيري، أن عدد العملاء المترددين على معارض الشركة تزايد بنسبة 20 بالمئة داخل بريطانيا وحتى خارجها. كما حققت مبيعات مجموعة ريتشموند للسلع الفاخرة قفزة كبيرة في المبيعات منذ استفتاء البريكست.

سلاح ذو حدين للسياحة

وكان انخفاض قيمة العملة نعمة للسياح الأجانب، لكنه يمثل نقمة بالنسبة إلى البريطانيين المسافرين إلى خارج البلاد، في حين تراجعت عوائد شركات السياحة والطيران البريطانية.

فقد قفزت تكاليف سفر البريطانيين إلى الخارج بنسب تصل إلى 20 بالمئة في انعكاس مباشر لتراجع الجنيه الإسترليني بنسبة مماثلة منذ صدمة الاستفتاء.

شركة أوبل: سنحتسب تكاليف الإنتاج في بريطانيا باليورو وخسائر المبيعات بالجنيه الإسترليني

وقدرت شركة رايناير للطيران المنخفض التكلفة حجم خسائرها نتيجة انخفاض الإسترليني خلال الأشهر الثلاثة التي أعقبت الاستفتاء (يوليو- أغسطس- سبتمبر) بنحو 183 مليون يور. وأعلن مديرها التنفيذي ويلي والش التراجع عن مشروعات لتوسيع الاستثمارات حتى عام 2020.

أما بالنسبة إلى باقي السياح من جميع أنحاء العالم، فقد أصبحت تكلفة السفر والسياحة إلى بريطانيا أقل من أي وقت مضى.

وأكدت شركة يوروستار التي تنظم رحلات بالقطار عبر النفق تحت القنال الإنكليزي أن عدد المسافرين القادمين من فرنسا ارتفع بشكل كبير منذ تصويت البريطانيين للانفصال عن الاتحاد الأوروبي.

وتلقت الشركات العاملة في بريطانيا، التي تعتمد على معدلات الاستهلاك ضربة قوية، بسبب ارتفاع تكاليف وأسعار منتجاتها المسعرة بالجنيه الإسترليني، وقد انعكس ذلك في تراجع الطلب عليها.

وتقول شركة أوبل الألمانية لصناعة السيارات إنها كانت تتوقع العودة إلى تحقيق الأرباح بعد سنوات ارتفاع مبيعاتها في السوق البريطانية إلى جانب شركة فوكسهال التي تروّج لمنتجاتها في المملكة المتحدة، التي تعد من أسواقها الرئيسية.

لكنها ذكرت أن التراجع الحادّ للعملة البريطانية عرقل خططها وخطط فوكسهال، وهما تابعتان لمجموعة جنرال موتورز الأميركية، وقالت إنها ستبدأ اعتبارا من الآن باحتساب تكاليف الإنتاج في بريطانيا باليورو، بينما ستحتسب خسائر المبيعات بالجنيه الإسترليني.

انقلاب سياسات الاستثمار

وتسبب تراجع قيمة الإسترليني بتغيير واضح في اهتمامات المستثمرين في جميع أنحاء العالم. كما أصبح المستثمرون أكثر انجذابا للاستحواذ على الشركات البريطانية، في الوقت الذي تراجع فيه الاهتمام بالتصنيفات التي تقدرها بورصة لندن للاستثمارات.

وعلى سبيل المثال، لم تعد شركة السكك الحديدية الألمانية “دويتش بان” مهتمة بالظهور في البورصة جنبا إلى جنب مع فرعها البريطاني شركة “أريفا”، لأن ذلك يؤثر على أرباحها بالإسترليني بعد تراجع قمة العملة البريطانية.

وقال المدير التنفيذي للشركة الألمانية رويدغر غروبيه إن ذلك “سيكون بمثابة بعثرة المال عبثا”.

دعم الصادرات البريطانية

أما بالنسبة إلى الصادرات البريطانية فقد كان انخفاض قيمة العملة بمثابة نفحة من السماء، لأن ذلك يعزز من قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، حيث يؤدّي تراجع قيمة أي عملة إلى ارتفاع حجم الصادرات ويجعل التجارة بها أكثر جاذبية ممّا في الأسواق الأخرى بسبب ارتفاع الطلب عليها لانخفاض قيمتها. وقد ساعد هذا الوضع الكثير من شركات الدواء مثل غلاكسو سميث كلاين المنتجة للكثير من العقاقير والأمصال ومن بينها أدوية للعلاج من مرض نقص المناعة المكتسب، وساهم انخفاض الإسترليني في ارتفاع أرباحها بنسبة 35 بالمئة منذ استفتاء البريكست، معظمها من التجارة مع الولايات المتحدة.

10