الرابح والخاسر في انتخابات الجزائر

الاثنين 2014/04/21

هذا الذي يحدث في الجزائر الآن، قد يبدو مستغرباً لدى البعض أو مستهجناً لدى الكثيرين، وقد يكون الأمر كذلك بالفعل من حيث سوء الإخراج، ولربّما للضّرورة الفنية أحكام في بعض الأحيان، غير أنّ السيناريو في الأخير ليس غريباً عن محيط عربي لم يتعوّد على التناوب ولا اعتاد على تداول السلطة.

قد يبدو المشهد مريعاً بعض الشيء لرئيس منتهية ولايته، ومحمول على كرسي متحرك لكي يصوت على نفسه، وهو الذي غيّبه العجز الصحي عن الحملة فقادها آخرون عنه بالوكالة، ثم عجز عن إلقاء خطاب الفوز، لا سيما وأن فوزه جاء ساحقا- إذا لم نحتسب نسبة المقاطعة- وعلى الأرجح سيبقى عاجزاً عن القيام بأي نشاط حكومي أو سياسي إلى أجل يبقى في علم الغيب.

إلا أن هذا المشهد المسرحي المثير، رغم سوء الإخراج، يبقى أبعد ما يكون عن مجرّد غباء سياسي من قبل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية لنظام أصرّ على ترشيح رئيس منتهية ولايته، ومنتهية صحته، ومنتهية صلاحيته، بل حياته نفسها قد تكون على مشارف الانتهاء. لا، ليس كل هذا مجرّد غباء وتهور، ولا يمكن أن يكون الأمر كذلك بأي حال. الحكاية على قدر كبير من الجدية. فهل كانت المؤسسة العسكرية تمتلك بالفعل بديلا عن بوتفليقة قادراً على حفظ أسرار “الجيش”، وفي نفس الوقت ينافس رجال دولة مستقلين أو شبه مستقلين عن المؤسسة العسكرية في انتخابات عامة؟ لربّما آليات التزوير متوفرة، لكن التزوير وحده لا يكفي، لا بد من حد أدنى من الكاريزما السياسية.

لكن أيّة كاريزما ستبقى لرئيس يشرف على الهلاك ولعله أصبح فاقداً للقدرة على الكلام؟ هل مثل هذا الرّئيس يستطيع أن يحكم بلد المليون شهيد لخمس سنوات قادمة؟ مهلاً، لعل المطلوب شيء آخر. وسنرى..

قبل ذلك، أمامنا سؤال، ما الذي تخشاه المؤسّسة العسكريّة في حال التداول الفعلي على السلطة؟ ألا تكفيها الضّمانات الدّستورية؟ ألا تكفيها كل الضمانات الاقتصادية؟ ماذا تريد أكثر من هذا؟ هذا هو السّؤال.

على أي حال، لقد فاز بوتفليقة بعُهدة رابعة وكان هذا متوقعاً منذ البداية، سواء بالتّزوير أو عبر القدرات المؤسّساتية على الحشد والدعاية والتأثير، وإن دلّت نسبة المقاطعة المرتفعة على نضج شعبي، إلاّ أنّ أثرها يبقى محدوداً في انتظار إجراءات أخرى لا نتكهن بفعاليتها، لكن من العبث أن نتصور أن تأتي النتيجة الانتخابية خلاف ما جاءت عليه، إذ سيبدو الأمر كما لو أن المؤسسة العسكرية الحاكمة وأجهزتها الاستخباراتية قد تحملت كلفة ترشيح رجل مريض لأجل أن يخسر في الأخير.

ليس يخفى أنّ خلف بوتفليقة، الرجل المريض، مؤسسة عسكرية قوية وتتحكم في كل شيء، هي أشـبه مـا يكـون بـ”العسكـروت”، لكن مشكلة هذا “العسكروت” أن سنوات الحرب الأهلية التي أطلقت يده على البلاد والعباد قد أغرقته في فساد مريب، ثم أنه لا يملك الكثير من البدائل الانتخابية لتوفير ما يكفي من الضمانات. وهنا المأزق. بمعنى، أن النظام الذي استطاع أن يوصل رجلا على كرسي متحرك إلى سدة الحكم، لهو قوي بما يكفي، لكن الوجه الآخر للمسألة أن مثل هذا النظام محشور في الزاوية ولا يملك الكثير من الخيارات السياسية.

إن أخشى ما تخشاه المؤسسة العسكرية في الجزائر هو أن يأتي بعد بوتفليقة رجل- أو امرأة لم لا؟- قد لا يتردّد لأي سبب من الأسباب في فتح ملفات الفساد، أو تسريب بعضها على الأقل. ولذلك فهي مستعدة للتضحية باستقرار البلد إن لزم الأمر، من أجل أن لا تخرج ملفات الفساد إلى العلن.

الرئيس الحالي مريض، مُقعد، مسنّ، شبه مشلول، يتكلم بصعوبة، ولا ندري ماذا آخر، إلا أن المؤسسة العسكرية أوصلته إلى سدة الحكم بدعوى أنّه الرّجل المناسب- الوحيد في الجزائر- للمكان المناسب، وأنّ مرضه لن يطول. لكن هل في حساب المؤسسة العسكرية بالفعل أن الرّجل سيستعيد عافيته عما قريب؟

هنا ليس مجدياً الاعتقاد بأنّ المؤسسة العسكرية تتوهم بدورها شفاء مستبعدا، أو أنّها تتوقّع من الشعب الجزائري أن ينتظر شفاء الرّئيس مهما طال الزّمن، فهذا من المحال. ولذلك، فأغلب الظن أنّ المؤسسة العسكرية ستشرع قريباً في تدبير عملية انتقالية صعبة ومعقدة نحو مرحلة ما بعد بوتفليقة، بعيداً عن أجواء الانتخابات.

فقط، ملاحظة أخيرة، المشكلة أن كلفة ذلك قد تكون على حساب استقرار بلد يعرف شعبه ما تعنيه كلمة استقرار

كاتب مغربي

8