الراب التونسي يُنزل الأغنية الوترية من عليائها

انسحاب أشهر الملحنين وكتاب الأغاني من الساحة الغنائية عمّق أزمة الأغنية الوترية وارتدّ بها إلى مراتب دونية.
الثلاثاء 2020/11/17
شباب الراب التونسي يسحبون البساط من تحت أقدام الأغنية الوترية

700 مليون مشاهدة، رقم من الصعب تحطيمه في عالم الغناء العربي سواء منه الوتري أو الراب. رقم قابل للارتفاع في كل لحظة مع استمرار منصة يوتيوب في عرض كليب بلطي وحمودة المعنون بـ”يا ليلي.. يا ليلا” على مدار الساعة. رقم يطرح أكثر من سؤال لعلّ أبرزه: كيف تمكّن الراب التونسي من سحب البساط من تحت نظيره الوتري، ولماذا؟

تونس- بلطي، أرمستا، كلاي بي.بي.جي، كافون، جي.جي.أ، سانفارا، جنجون، علاء، سمارى، كادو ريم، ولد الكانز، والقائمة تطول.. كلها أسماء لمغنّي راب تونسيين استفادوا بشكل مباشر من مناخ الحرية الذي منحته ثورة الـ14 من يناير 2011 للمواطن التونسي ومن ثمة لإعلامه وفنانيه، فاقتنص شباب الراب الفرصة وهم الأقدر على اقتناصها مقارنة بنظرائهم المخضرمين والمكّرسين للغناء الوتري، حيث استوعبوا التطوّرات التقنية الحاصلة في التكنولوجيات الحديثة، وتعاملوا معها بالشكل الأمثل، مُستفيدين منها ومُؤثّرين من خلالها على حد السواء.

وتقول أرقام نسب المشاهدات على يوتيوب إن أغاني الراب التونسية، بغثّها وسمينها، تفوّقت بأشواط على نظيرتها الوترية التي ارتدّت إلى مراتب دونية إثر ثورة الـ14 من يناير، بل كادت تنسحب من المشهد السمعي البصري أصلا لولا بعض الاجتهادات الخاصة لشباب الأغنية الوترية والشعبية على السواء الذين ركبوا بدورهم “موجة الراب” من خلال أدائهم في شكل دويتو لأغانٍ جمعت بين الصنفين.

الغناء العربي

ونذكر هنا على سبيل الذكر لا الحصر، دويتو أرماستا والشاب بشير “يا حمامة طارت” في الجمع بين الراب والشعبي، أو كليب كلاي بي.بي.جي وريان يوسف “ديما لاباس” وأيضا كلاي بي.بي.جي ورؤوف ماهر في “الراس مرفوع”، وكلاهما يمزجان بين الراب والطربي، وغيرهم الكثير..

هذه الثنائيات فرضتها حاجة شباب الأغنية الطربية والشعبية للاستلهام من نجاح مغنّي الراب الذين كوّنوا قاعدة جماهيرية على منصات التواصل الاجتماعي، مكّنتهم من الاستفادة من الإيرادات المالية التي تمنحها منصة يوتيوب خاصة للأغاني الناجحة والجماهيرية، الأمر الذي يحفّز فيهم إنتاج المزيد من الأغنيات في قادم التجارب الموسيقية، بالإضافة إلى استفادتهم من شعبية فناني الراب المؤثّرين في الأوساط الشبابية.

وهي حقيقة لا مفرّ منها، وإن أنكرها بعضهم، ومثالنا على ذلك أن أفضل أغنية وترية من حيث المشاهدات، تعود إلى الفنانة الشابة شيرين اللجمي المعنونة بـ”علاش نلوم” التي حقّقت 45 مليون مشاهدة، وهو رقم بسيط رغم أهميته، مقارنة بما يحقّقه أيّ مغني راب مُستجد.

هذه الحقيقة أكّدها رائد فن الراب في تونس، بلطي، الذي قال “لديّ فضل كبير على الكثير من فناني الغناء الطربي والشعبي في تونس”، وهو الذي اختصّ في أداء العديد من الأغاني الدويتو مع فيلق من الفنانين المغمورين، بل والمنسيين أصلا، فاسترجعوا بعضا من بريقهم الخافت عبر بلطي وقاعدته الجماهيرية الواسعة.

ويكفي هنا استحضار الأغنية الدويتو “يا ليلي.. يا ليلا” بين بلطي والطفل حمودة التي فاقت نسبة مشاهدتها على يوتيوب منذ إصدارها في شكل فيديو كليب في العام 2017 وحتى اليوم 700 مليون متابعة حول العالم، لنفهم أيّ خدمة قدّمها نجم الراب التونسي لموهبة فنية صاعدة، تحوّل مع التراكم والإنتاج المتعاقب إلى علمٍ من أعلام الأغنية التونسية، وهو الذي لم يتجاوز ربيعه السادس عشر بعد. فلماذا نجح الراب التونسي فيما فشلت الأغنية الوترية الطربية؟

الإجابة عن هذا السؤال تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها عميقة في خلفياتها، فأغنية الراب استطاعت استقطاب قاعدة جماهيرية شبابية واسعة، خصوصا من أبناء الأحياء الشعبية والأوساط الاجتماعية المهمّشة والفقيرة، وهي التي تخاطبهم وفق آليات سلسة بعيدة عن التعقيد أساسها بساطة اللحن وقوة الكلمة.

الغناء العربي

كلمات قريبة من المتلقي وتعكس همومه ومشاغله وتحاكي واقعه من دون مبالغة، كما في انتقادها للأوضاع الاجتماعية، كالبطالة والتهميش والهجرة غير الشرعية. والأمر ذاته ينسحب على الأغاني المنتقدة للوضعين الاقتصادي والسياسي المتردّيين في بلد نصف سكانه من الشباب واليافعين. فمن لهم غير الراب الثوري ملاذا ومعبّرا عنهم؟

وفي المقابل، ظلّت الأغنية الطربية الوترية في تونس محافظة على كلاسيكيتها البدائية، فلا جديد سوى إعادة لبعض الأغاني التراثية وتهذيبها، بدعوى تجديدها كي تكون مواكبة للعصر، فتأتي غالبيتها فاقدة للروح والمعنى، حيث تجاوزها الزمن كلمة ولحنا وأداء أحيانا. وشتّان بين الأصل والتقليد!

هذا دون أن ننسى أن الأغنية الوترية الطربية مكلفة من ناحية الكلمات والألحان والتسجيل الذي يتطلّب فيلقا من الموسيقيين المحترفين، على خلاف أغاني الراب التي تعود كلماتها في المطلق لصاحبها والألحان من وحي لوحة مفاتيح الكمبيوتر الخاص به، أما التسجيل فتحكمه العلاقات الإنسانية والشللية في شكلها الإيجابي هذه المرّة.

ومن هنا تقلّص حضور شركات إنتاج الأغاني الطربية في تونس، بل لنقل إنه انعدم أصلا، ليظل المشهد مقتصرا على شركة واحدة يتيمة، أربكها بدورها انسحاب أشهر الملحّنين من الساحة الغنائية بعد أن صنعوا مجد الأغنية التونسية سنوات الثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي، على غرار عبدالرحمن العيادي ومحمد صالح الحركاتي والناصر صمود، وخاصة عبدالكريم صحابو الذي اكتشف جيلا كاملا من الفنانين ومنحهم أعذب الألحان، مثل الشاذلي الحاجي وعبدالوهاب الحناشي ونجاة عطية ومنية البجاوي ونوال غشام.

ومن خلالهم أيضا انسحب كتّاب الأغنية المخضرمين، كما غيّب الموت غالبيتهم، ليبقى السوق حكرا على شاعرين فقط، هما الجليدي العويني صاحب رائعتي “المدائن زحمة” لعدنان الشواشي و”أنا عاشق يا مولاتي” لسمير العقربي، وحاتم القيزاني صاحب رائعة “صرخة” لصابر الرباعي.

الأغنية الوترية مكلفة من ناحية الكلمات والألحان والتسجيل، على خلاف أغاني الراب البسيطة كلمة ولحنا وتصويرا

كما ساهم غياب البروباغندا الإعلامية وبرامج المنوعات الغنائية المختصّة التي كان رائدها في سنوات التسعينات من القرن الماضي، مقدّم البرامج الراحل نجيب الخطاب، في خفوت حضور الأغنية الطربية في المشهد السمعي البصري التونسي، لتترك المجال فسيحا مع بداية الألفية للأغنية الشعبية، فالراب إثر ثورة الـ14 من يناير.

موجة غنائية جديدة رافقتها، أيضا، دعاية إعلامية صاخبة غامر في إرسائها مقدّم البرامج الهادي زعيم، فكسب الرهان، الأمر الذي مكّنه من تغيير المشهد الغنائي التونسي وقلبه رأسا على عقب، فاستُنسخت عنه العديد من البرامج التلفزيونية المحتفية بالراب دون سواه من صنوف الموسيقى إلاّ لماما. لتبقى الأغنية الوترية التونسية تجترّ نجاحاتها الغابرة عبر بعض الفواصل الموسيقية التي يبثّها التلفزيون العمومي بين شوطي مباراة كرة قدم ودية أو في مناسبة وطنية، ليس أكثر!

16