الراب العشوائي يغزو الساحة الفنية والإعلانات التجارية

أغاني الراب التي ارتبطت بأحداث الربيع العربي فتحت شهية الشباب للتعبير بصدق عمّا يحسون به مع الحفاظ على طبيعته الحماسية المغايرة تماما للغناء التقليدي.
الأربعاء 2021/03/03
الراب المصري يدين للفنان أحمد مكي بالشعبية التي وصل إليها

سيطرة مغنّي الراب على المنصات الاجتماعية والإعلانات التجارية في مصر، وتزايد إنتاجاتهم المعتمدة على الأداء والحركة بصرف النظر عن الجودة، لا يزال يغذّيهما تغير ذائقة الجمهور، حيث إن هذه النوعية من الأغاني تحمل خطابا مختلفا في لغته عند الأجيال الجديدة.

لم يكن تصدر أغاني الراب مؤخرا، “ترند” مواقع التواصل الاجتماعي بمصر، أمرا مستغربا، في ظل المخاض الزمني الذي قطعه ذلك النوع من الغناء الذي اشتبك خلال عقدين مع الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والقضايا الشبابية، حتى تحوّل إلى نوع من الثقافة الفنية المضادة أو المعارضة.

وكثر في الفترة الأخيرة الحديث على مواقع التواصل الاجتماعي عن حرب ضروس بين مجموعة من مطربي الراب المصريين على زعامة هذا النمط من الغناء، وتبارى أنصارهم في إظهار الولاء الإلكتروني للنجم المفضل والذي يعتبر لديهم الأصل، والباقي يرونهم نسخا مكررة منه، حيث يشتبكون في معارك كلامية افتراضية بلغة خاصة يصعب على غير المهتمين بالمجال التقاط جميع مفاهيمها بسهولة.

وتكفي مشاهدة بعض الفضائيات المصرية لمدة نصف ساعة فقط لمعرفة الهيمنة المستجدة للراب المصري على سوق الإعلانات التجارية، وآخرها انضمام الفنان محمد هنيدي إليها لأداء ذلك النمط في إعلان لإحدى شركات المعجنات الجاهزة تم عرضه بالتزامن مع أربعة إعلانات لمروان بابلو ومروان موسى وأبيوسف. و”الرابر” كلمة تُطلق على مغني الراب المحليين الأشهر لصالح شركات عالمية للمشروبات الغازية واتصالات الهواتف المحمولة وحجز وتوصيل الطلبات إلكترونيا.

كما يمثل دمج الأغنية الترويجية المصاحبة لكأس العالم لكرة اليد التي استضافتها مصر مؤخرا بين الغناء التقليدي بأداء الفنان تامر حسني و”الراب” عبر مروان موسى، تأكيدا على ما وصلت إليه شعبية هذا النمط من الغناء لتفرض كلماته نفسها على المشاهدين، وفي الخلفية معالم مصر الأثرية وشعار أول حدث كبير من نوعه يتم تنظيمه بعد ظهور جائحة كورونا.

قوافي مرتبة

بقاء مغني الراب في مصر مرهون باستمرار الجمهور في تشجيعهم
بقاء مغني الراب في مصر مرهون باستمرار الجمهور في تشجيعهم

في تلك النوعية من الموسيقى من الصعب التقاط الكلمات التي يتم غناؤها، فمن معالم الراب سرعة الإلقاء والارتجال الذي يخفي الكثير من عيوب الأداء والتلعثم من قبل بعض المؤدين في نطق عدة حروف، لكن الراغبين في استغلاله تجاريا تحايلوا على المشكلة بكتابة كلمات الأغنية على الشاشة حتى يفهم الجمهور ما يقولونه كما لو كانت ترجمة عربية لفيلم أجنبي.

ويدين الراب المصري إلى الفنان أحمد مكي (من أصل جزائري) بالفضل في الشعبية التي وصل إليها، بعدما جذب آذان الكثير من المستمعين إليه بأغنيات مثل “قطر الحياة”، “قفة ناصية زمان”، “أغلى من الياقوت”، “أيام زمان”، و”منطقتي”، التي تميزت بعدم اعتمادها على الارتجال، ووجود معان حياتية وعميقة هامة في كلماتها.

وزاد من نفوذ أصحاب ذلك التوجه الفني دمجهم “الراب” بأغاني المهرجانات فكسب أنصار الاتجاهين معا، مثل الشاب الإسكندري مروان مطاوع الشهير ببابلو، الذي بدأ ذلك النمط من الغناء قبل ستة أعوام بأغانٍ يصنعها من الألف إلى الياء، بداية من الكتابة والإنتاج، واختفى سنوات قبل أن يعود بأغنية أخيرة بعنوان “غابة” التي أصدرها لتحقق مليون مشاهدة في اليوم الأول لها وتفتح حروبا حول الزعامة.

وتظهر الكلمات التي تضمنتها أغنية بابلو تركيبات لغوية غير مهضومة أو مفهومة، لكن تصويرها جاء بطريقة ذكية بعناصر متساوية في الصورة بين الخلفية وتوزيع الإضاءة، رغم تصويرها فوق أسطح العمارات في مناطق شعبية بسيطة، وعلى متن سيارة نقل تسير فوق أحد الكباري مع احتفاظها بأساسيات أغاني الراب، من “الهاردكور” التي تتضمن قدرا من العنف اللفظي.

وتحمل تلك النوعية من الأغاني خطابا مختلفا في لغته عند الأجيال الجديدة فالألفاظ الدارجة لها معانٍ مغايرة، مثل كلمة “أسطى” التي تطلق على سائق السيارة لكنها تعني عندهم “الصديق”، أو “بيف” التي ترتبط باللحوم المصنعة ويطلقونها على معاركهم الغنائية، وحتى الكلمات المصنفة في الخطاب التقليدي عيبا أو سُبة تحمل مرادفا للقوة والعظمة.

ويعزو مغنو الراب نجاحهم إلى التعبير بصدق عمّا يحسون به مع الحفاظ على طبيعته الحماسية التي ظل محتفظا بها منذ ظهوره بمصر قبل 20 عاما، خاصة مع كثافة إنتاجهم بصرف النظر عن الجودة. وساهم انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وغزارة استخدام المقاطع المصورة على “يوتيوب” في وصولهم إلى جمهور كثيف.

ومكن ربط جذور موجة الرواج لأغاني الراب بأحداث الربيع العربي التي فتحت شهية الشباب للتعبير في مساحات أوسع من أن تحتويها الأغنية الشعبية، وظهرت فرق خاصة مثل “الفرسان العرب” التي ركبت الهتافات الثورية على أغنية المطربة الأميركية لورين هيل، أو أغاني سارة المسيري الشهيرة بـ”فلوكة” التي كانت من أوائل الفتيات اللاتي دخلن ذلك المجال، بأغنيات تجد رواجا بين الجمهور النسوي مثل “أيام باحس (أشعر) أن الدنيا ماشية عكسي”.

موضة تتلاشى مع الوقت

يقول الموسيقار أحمد رمضان، سكرتير نقابة الموسيقيين بمصر، إن موجة الظهور الأخير لأغاني الراب مرتبطة بمعدل المشاهدات الكبيرة على مواقع التواصل، وهو ما جذب الشركات التجارية الباحثة عن الترويج إلى الاستعانة بهم، لضمان الوصول إلى شريحة أكبر من الزبائن، وضمان رواج أكبر لمنتجاتها.

ولم يفلح هجوم نقابة الموسيقيين بمصر ضد تلك النوعية من الأغاني في كبح نشاطها رغم توصيفها الحالة بأن الانتشار سببه السمع العشوائي، والتحايل على القانون بالحصول على تصريح “دي جي”، وهو ذات الهجوم الذي لم يمنع أيضا انتشار أغاني المهرجانات، رغم الحرب التي تشنها النقابة عليهم منذ عدة شهور.

وأضاف رمضان لـ”العرب”، أن مصر تشهد كل عقد سيادة نمط من الموسيقى يتحول إلى موضة تتلاشى مع الوقت لتبقى في النهاية العملة الحقيقة أو الغناء الحقيقي، وبالتالي المسألة مسألة وقت فقط قبل أن يأتي ما يحل محل الراب.

وطالب بالتفرقة بين نمطين، أحدهما يحمل قضايا هامة مثل أعمال أحمد مكي، والآخر عبر مؤدين يقدمون كلاما غير مفهوم، كل منهم يعتقد بأنه الأفضل والأشهر والأوحد.

ارتفاع نسب مشاهدات أغاني الراب يجذب الشركات للاستعانة بالمغنين ضمانا للوصول إلى شريحة أكبر من الزبائن

وتتضمن صناعة الراب عناصر مغايرة تماما للغناء التقليدي، إذ تعتمد في المقام الأول على التدفق الذي يخلق توافقا بين أطوال الأسطر في الأغنية والإيقاع، يليها الإلقاء أو الأداء الصوتي الذي يخلق موازنة بين درجة الصوت وموضوع الكلمات، ثم التعقيد الكلامي والقوافي المركبة بإنهاء الأسطر بقافيتين متتاليتين أو أكثر والتلاعب بالكلمات الذي يخلق جوّا من الدعابة أو المرح وهذا ما تفتقر إليه الأغاني التقليدية.

ولا يلتزم رواد تلك الأغاني بمصر بهذه القواعد وفي مقدمتهم أبيوسف الذي يصنف ضمن الأكثر شهرة وتتسم أعماله بالعشوائية والاعتماد على لعبة كلمات تحمل قدرا من الإيقاع، وقوافي مفاجئة غير مرتبة، لكن تميزه كان في تناول الأمور الاجتماعية بشكل مرح، يصل إلى السخرية في بعض الأحيان.

ويدافع مؤيدو هذا النمط من الغناء على أغنياتهم بأنها خلقت كنوع من التمرد فأصلها مرتبط بـ”الهيب هوب” الذي نشأ في أميركا كرد على العنصرية التي تعرض لها أصحاب البشرة السمراء من البيض، وعززته السلطة كنوع من التنفيس للشباب من ذوي الأصول الأفريقية للمنافسة في الرقص والغناء بدلا من الانضمام إلى العصابات والعنف والمخدرات.

ويعتمد الراب على إيقاع ثابت في الأغنية يقوم عليها المغني بالغناء بطريقة رتيبة ما جعل الكثير من المغنين يفضلون أسلوب “التراب”، وهو أحد أنواع الراب الذي يحمل مزجا بين “الهيب هوب” والدانس (الرقص) و”الداب”، وهو أداء حركي يعتمد كثيرا على اليدين، وجاءت الكلمة اشتقاقا من كلمة أجنبية تعني “المصيدة” أو “الفخ”، وارتبطت بعالم أنشطة العصابات، إذ كانت الإيقاع المصاحب لأنشطتهم أو تبادلهم “المواد المخدرة” من السيارات.

ويعتبر الناقد الفني محمد قناوي، انتشار أغاني الراب بمثابة قفزة على أغاني المهرجانات التي بدأت تخفت في الشارع رغم الرواج الكبير الذي سجلته خلال الأعوام الأخيرة، خاصة أن الراب يتركز جمهوره على صغار السن والشباب من المدمنين على استخدام الإنترنت على الهواتف المحمولة، ولا تفارق سماعات الرأس آذانهم، لتصبح تلك الأغاني بمثابة إيقاع في الخلفية.

وتوجد فروق كبيرة بين مستمعي الراب والمهرجانات، فالأولى تجتذب شرائح على مستوى الغناء والاستماع من ذوي التعليم العالي خاصة من المنتمين إلى المدارس والجامعات الأجنبية المتفتحين على الثقافة الغربية، على عكس المهرجانات التي ترتبط أكثر بالقطاعات الشعبية، وتشهد رواجا في وسائل المواصلات العامة ومركبات التوكتوك.

وأكد قناوي لـ”العرب”، أن تلك الأغاني لن تسحب البساط من الغناء التقليدي الذي لديه جمهور كبير في المراكز الثقافية، كدار الأوبرا، ومطربين للأغاني التقليدية يحققون معدلات مشاهدة كبيرة أيضا، مثل محمد ثروت الذي سجلت آخر أغانيه “يا مستعجل فراقي” مليوني مشاهدة في أيام قليلة، كذلك الفنان حمزة نمرة الذي تصدرت أغنيته “فاضي شوية” مشاهدات الترند لعدة أيام.

ويبدو الأمر مختلفا عند رموز “الهيب هوب” المحليين الذين يعتقدون بأن مستقبل الغناء لهم بعدما تجاوزوا أغاني المهرجانات، وأصبحوا أكثر قدرة على تنويع المضمون، بعيدا عن اللغة العنيفة إلى رحاب المشاعر الإنسانية والقضايا الاجتماعية.

تحفظات كثيرة

يضربون المثل بالفنان “زاب ثروت” الذي بدأت شهرته في مشاركته مع أغنية “اثبت مكانك” خلال أحداث ثورة 25 يناير 2011 في مصر، كما أنه سخر مجموعة من أعماله للدفاع عن المرأة مثل أغنيتي “مين السبب” مع المطربة منة حسين، و”نور” مع الفنانة أمينة خليل، وبالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة لشؤون المرأة وسفارة اليابان بالقاهرة، ثم أغنية “ياما” مع دعاء السباعي، قبل أن يصدر ألبومه الأول “المدينة” منذ ثلاثة أعوام.

ويثير الراب تحفظات كبيرة على مستوى اللغة التي يستخدمونها في معاركهم الغنائية العنيفة بين بعضهم البعض والمعروفة بـ”دِس” (بكسر الدال) المشتقة من لفظة إنجليزية تعني “عدم احترام الآخر”، ورغم أن ذلك النمط موجود عالميا، لكن الأمر يختلف في مجتمع محافظ، خاصة حينما تنشب الحرب بين مغنٍ ومغنية ويصل الأمر إلى التشكيك في الميول الجنسية أو المعايرة بالنوع.

المبالغة في تقدير الذات تمثل عنصرا ملازما لمغني الراب في مصر، فالصراعات بينهم كثيرا ما تشتعل من أجل ألقاب الزعامة

ولا يعتبر مطربو الراب اللغة السوقية التي يصلون إليها أمرا سلبيا فهي من أساسيات المهنة لديهم، وشبيهة بمنافسات الفرق في كرة القدم أو الاشتباك في حلقات المصارعة، وأحد عناصر الإمتاع في أغانيهم حتى لو تسببت في إحداث جروح نفسية عميقة لبعضهم دفعتهم إلى الاعتزال أو وصول الهجوم إلى درجة سب مدن كاملة كما في معارك “رابرز” الإسكندرية، يؤكدون أن الحكم الأخلاقي عليهم دربا من العبث، فهم في النهاية يقدمون فنا حرا متحررا من كل القواعد والمعايير الفنية، وبقاؤه مرهون باستمرار جمهوره في التشجيع.

وتمثل المبالغة في تقدير الذات عنصرا ملازما لأغاني الراب في مصر، فالصراعات بينهم كثيرا ما تشتعل من أجل ألقاب الزعامة مثل “الجوكر” الذي يتنافس عليه قرابة أربعة مغنين، والإمبراطور والملك، وملك الدس، وغيرها، ووجدت الشركات التجارية التي تبحث عن زعامة السوق في أعمالهم فرصة لإظهار الهيمنة على السوق أو ربما الهجوم المبطن على الآخرين.

ويجمع بين مغني الراب في مصر تعلقهم الشديد بالثقافة الغربية حيث يتاح لهم الجمع في تدويناتهم وأغانيهم بين كلمات من لغات مختلفة، وربما لن يكون مفاجئا إذا تتبعنا رحلة بعضهم ووجدنا أنه كان كاتبا للشعر التقليدي في يوم من الأيام مثل أحمد ناصر “الجوكر”، لكنه هجره بحثا عن الشهرة والوصول إلى شريحة متنامية من الجمهور تتمثل في أبناء المدارس والجامعات الأجنبية الذين يجدون في رحاب أغاني “الهيب هوب” المحلية والغربية ارتباطا بالثقافة الجديدة التي تتوطن في عقولهم.

20