الراب: لغة موسيقية ثورية أم اعتداء على الرأي العام

قيل عنه إنه الشعر الأفريقي المقفى، وذلك في بريطانيا أواخر القرن الثامن عشر بعد قدوم أعداد غفيرة من الأفارقة مع انطلاق الحملات الاستعمارية، وقيل عنه إنه المنطقة الفنية الرمادية بين الشعر والنثر والغناء، لكثرة منعرجاته الصوتية التي تعبر عن البوح والألم، وقيل عنه أيضا إنه متنفس غنائي لسكان الأحياء الفقيرة في نيويورك وشيكاغو وأحواز باريس في ستينات وسبعينات القرن الماضي، كما قيل عنه إنه فرع من موسيقى الهيب هوب التي ملأت شوارع أميركا في أواسط القرن الماضي. هو “الراب” أو الـ”الريتميك آفريكان بواتري”. موسيقى نشأت في المجتمعات الخارجة عن المركز في المدن والتجمعات السكنية الضخمة في العالم الغربي أثناء الطفرات الصناعية.
الثلاثاء 2016/04/12

تونس ـ تعكس التعريفات والآراء المتعددة حول موسيقى الراب أهميتها ورمزيتها العميقة التي طبعت أحداثا كبرى عالمية ومحلية، من بينها السياسي كثورة شباب فرنسا سنة 1968 وسقوط الاتحاد السوفييتي وأحداث 11 سبتمبر واحتلال العراق وغيرها، ومن بينها الاجتماعي كالحديث عن المجاعات والفقر والتوزيع غير العادل للثروات عالميا، ومن بينها أيضا الحديث عن الحريات وتمكين الشباب من العيش والرفاه وهو تقريبا المحور الأهم لموسيقى الراب في دول العالم الثالث، خاصة دول “الربيع العربي”.

وبالنظر إلى انطباع الراب كشكل غنائي وفني بجذور محدثيه الأوائل وهم القادمون إلى أوروبا وأميركا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من أعماق أفريقيا، فإن هذا النوع من الأغاني يعتبر منبوذا وغير محبذ من بعض الذين يدافعون عن الموسيقى الكلاسيكية أو الموسيقى التجارية والأنواع التي تعبر عن حالات اجتماعية وفكرية أخرى، ولكن الاعتراض على الراب لا يخص القضايا التي يطرحها بقدر ما يتعلق النقد بنوع الكلمات التي تلقى ونوعية اللحن السريعة والصاخبة، وكيفية طرح القضايا الحساسة بطريقة يمكن أن تفقد القضية ذاتها قيمتها رغم نبلها.

“النوستالجيا الثورية” التي تحتويها موسيقى الراب وسهولة حفظ أغانيها وألحانها (بل يمكن لأي شاب معجب بها أن يؤلف بنفسه الكلمات ويلحنها لتكون أغنية ناجحة) جعلت من هذا النوع الموسيقي منتشرا بقوة وسرعة في كل أنحاء العالم، حتى أن بعض الأغاني الكلاسيكية التاريخية تم تحويلها إلى إيقاع أسرع وأكثر صخبا لتكون أغنية راب، فهناك الملايين من المهووسين بالراب في العالم ولا يكفون عن استحداث الأغاني وترديدها ونشرها على الوسائط الرقمية كل يوم. وقد تعلقت هذه الموسيقى بالأساس وقبل كل شيء بالشباب، الأمر الذي أدى إلى حدوث جدل واسع بين الموسيقيين والمثقفين والنشطاء حول الجدوى من موسيقى الراب (ما دامت هناك فنون وأغان ملتزمة)، خاصة وأن الشكل الذي تخرج فيه أغاني الراب غالبا ما يكون عنيفا وصاخبا ومصاحبا بصور ومشاهد تميل إلى الصدمة.

لقد مكنت أحداث “الربيع العربي” من تحرير العديد من الأفكار والآراء والفنون في مجال الحريات العامة، وهو ما أدى إلى ازدهار الأغاني السياسية والاجتماعية بشكل ملفت، خاصة موسيقى الراب التي كانت ولا تزال المفضلة عند الشباب اليساري والحقوقيين ونشطاء المجتمع المدني والحريات، وكأن تلك الموسيقى تحمل أيديولوجيا بعينها. لكن هذا التيار يجد رفضا ومعارضة حتى من قبل بعض العناصر داخله، ومن الموسيقيين المحترفين والأكاديميين وهم بشكل عام يميلون إلى الفنون الأكثر “خضوعا لعلوم الموسيقى المقننة” كما يقول الموسيقي التونسي الطاهر القيزاني.

وفي سياق النظر إلى هذه الموسيقى نظرة نقدية، (أو بتحفظ كما صرح أحد منتجي الأغاني في تونس) فإن الراب أصبح منذ التسعينات أداة فنية لاختراق فضاءات سياسية وثقافية مغايرة لتلك التي في الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة وفرنسا، مركزي ثقل الأشكال الثقافية الغربية. “فقد تمكنت الولايات المتحدة من اقتحام كوبا ثقافيا عبر موسيقى الراب” حسب بعض المراقبين. وبذلك، وحسب تلك الشهادات، فإن الراب موسيقى ملغومة وليست بريئة على الأقل كما كانت أيام بدايتها وانتشارها في المدن الغربية، عندما كانت تتحدث عن المعاناة اليومية للفقراء.

ومن الجانب المغاير، فإن الراب هو نوعية من الموسيقى التي يمكن من خلالها إيصال كل الرسائل التي يراد إرسالها إلى المجتمع أو السلطة السياسية وبشكل سريع وشبابي. “فالراب قد مكن الشباب التونسي والمصري من دفع أنظمة قوية إلى الانهيار عبر قوة الكلمة وسهولة اللحن والشحنة القوية التي في أغانيه” حسب تصريح مغني الراب التونسي محمد صالح بلطي.

مناصرو الراب: مغنو الراب أنفسهم وقطاع واسع من الشباب والموسيقيين لا يجدون حرجا في انتشار موسيقات أخرى في المجتمع ويعتبر بعض النشطاء أن هذه الموسيقى تعبير عن الثورة.

تعبير ثوري وموجة موسيقية جامحة

"يجب أن ننظر بشكل مغاير إلى الفنون والموسيقى اليوم، فالراب نجح في حيازة مجال واسع من الجماهير، وعلى الموسيقيين والأكاديميين الانتباه إلى أن لحظة الشارع الموسيقي قد بدأت في التحول نحو النضج والفردانية والذوق الخاص”.

بهذا التصريح لـ”العرب”، أكد الموسيقي التونسي الطاهر القيزاني أن موسيقى الراب اليوم تمثل موجة شبابية عارمة في الشارع التونسي والعربي عموما، مشيرا إلى أن انتشار هذا النوع من الموسيقى لدى الشباب “يعبر عن تحول عميق في استهلاك الفن، فبعد أن كان المستمعون مجبرين على استهلاك الموسيقى التي تعرض في التلفاز أو الراديو، أصبحوا اليوم أحرارا في اختيار موسيقاهم مع الوسائل التقنية الحديثة مثل الإنترنت”، مضيفا أنه “لا مجال لإيقاف هذه الموجة لأنها تعبر عن حالة ذهنية ملتصقة بالواقع”.

وتبنى موسيقى الراب على النقد اللاذع، نقد أي ظاهرة اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو أخلاقية. إذ يكوّن مغني الراب رأيا حول تلك الظواهر، ليلجأ بعدها إلى عالمه الخاص لإنتاج موقف منها في شكل أغنية.

ويقول القيزاني في حديثه لـ”العرب” حول الموضوع إن “مغني الراب يؤلف أغنياته ويلحنها لوحده” وفي ذلك معان عديدة من بينها أن تلك الموسيقى عفوية وسريعة وبسيطة لتكون مفهومة لدى جمهور يحمل مميزات وطبيعة خاصة.

وقد تؤدي هذه الخصائص المميزة لموسيقى الراب إلى انزعاج أطراف أخرى قد يسميها البعض “هدف موسيقى الراب في النقد” وهنا يركز الحديث خاصة على السلطة السياسية وأجهزة الدولة. فغالبا ما يكون فنانو الراب تحت أعين الأمن والأجهزة التنفيذية، وكثيري التردد على المحاكم لأن أغانيهم تكون دائما مفعمة بالعبارات المشحونة وذات التوتر العالي إزاء بعض الظواهر السياسية. من ذلك أن السلطات الإيرانية مثلا قامت في الأيام الماضية بحملة واسعة ضد الفرق السرية للراب في العاصمة طهران، لأن أغاني تلك الفرق قد استهدفت “مؤسسات سياسية مقدسة” في إيران خاصة الحرس الثوري ومرشد الجمهورية وبعض القوانين التي تقمع الحريات.

أغاني الراب تعود المستمعين على الاستهلاك السريع للموسيقى وتحمل لغة عنيفة وصادمة في أحيان كثيرة

“أنا أدافع عن موسيقى الراب لأنها قريبة من الواقع وتحاكي الحياة اليومية والقضايا الأساسية أيضا”، هكذا كان موقف المؤلف الموسيقي الطاهر القيزاني إزاء الراب. وبالرغم من أن القيزاني ينتمي إلى المدرسة الكلاسيكية أو “من جماعة العود والكمان والوتريات” حسب تعبيره، إلا أنه يصر على ضرورة السماح لموسيقى الراب بأن تنتشر وبقوة لأنها تحمل “موجة الشباب الرافض لطبيعة المجتمع المبنية على الأبوية وإعادة اجترار تجارب الكبار”.

ولئن حمل تصريح القيزاني موقف الشباب بشكل دقيق، إلا أن المعركة لا تزال متواصلة ـ حتى في الذوق الموسيقي ـ بين المدرستين القديمة والجديدة إذا صح التعبير.

وتوجد إشارات في عالم موسيقى الراب سوف تفتح الباب أمام الرافضين لانتشارها حتى ينتقدوها. فهذا النوع من الغناء ينقسم عادة إلى مستويين؛ المستوى الأول هو “الراب الخفيف” وهو الأغاني التي يمكن أن تكون تجارية وتسمع في الأماكن العامة وحتى في وسائل الإعلام، أما المستوى الثاني فهو “الراب عالي التوتر، أو الهارد” كما يسميه رواده، وهو عبارة عن أغان مؤلفة من كلمات تحاكي لغة الشارع كما هي، أي الكلمات التي يمكن أن تكون مرفوضة في الفضاءات العمومية.

ويقول الطاهر القيزاني في السياق إن المسألة لا تعدو أن تكون إنتاجا لأغنية، “وما على المستمع سوى أن يختار ماذا سيسمع”. وأشار القيزاني إلى أن الفنون الموسيقية اليوم لا يمكن التحكم في اختيارها وفرض ذلك الاختيار على الناس.

وتحاكي هذا الموقف، إحدى قراءات الباحث الكندي في علوم الإعلام والاتصال سيرج برو الذي قال “نعيش اليوم المجتمع الفردي المكثف”، فكل ذات في العالم تختار موسيقاها وفنونها لوحدها وبشكل ذاتي وخاص.

المتحفظون على موسيقى الراب: أغلبهم من الشباب الباحث عن ألوان موسيقية جديدة متأثرة بالتراث المحلي، إضافة إلى الأكاديميين الموسيقيين والباحثين والمغنين من الأجيال الماضية.

موسيقى صادمة تفتقر للعمق الفني

يقول المغني الإيطالي المخضرم أدريانو شيلينتانو “إن أمر موسيقى الراب غريب، فهي بسيطة وعنيفة وتخترق المجتمعات بسرعة لأنها سهلة، وأنا لست من مناصريها لأنها تعّود المستمعين على الاستهلاك السريع للموسيقى، بدلا من حضور حفل يحتوي على أغان مفعمة بالثقافة الموسيقية والإبداع والقدرات”. بـهذا التصريح الذي نشرته صحيفة “لاريبوبليكا” الإيطالية ذات الميول اليسارية، أكد أحد أهم المحدثين في الموسيقى الإيطالية منذ سبعينات القرن الماضي أن طريقة الراب في أداء الأغاني ليست سوى “ضرر خطير يمكن أن يحول العالم بأسره إلى عبيد للاستهلاك السريع للموسيقى”. وهذا ما يلفت الانتباه إلى مسألة مهمة وهي أن الراب يمكن أن يكون محملا موسيقيا لثقافة العولمة التي تحاول تجاوز عولمة الاقتصاد والسياسة إلى عولمة الثقافة وجعل العالم في شكل نمطي واحد.

وفي السياق، تدافع بعض المجموعات الموسيقية العربية وخاصة التونسية اليوم عن الموسيقات البديلة التي تستوحي مادتها من التراث، بإضافة بعض التعديلات إلى التوزيع الموسيقي وإضافة آلات عصرية ومؤثرات عبر التقنيات الجديدة لبرامج التأثير الموسيقي على الكمبيوتر. وبذلك يمكن إنتاج موسيقى شبابية تحاكي التطلعات الفكرية الجديدة “دون السقوط في فخ استيراد الأشكال الموسيقية الغربية كما هي والتي يعد الراب أهم مظاهرها”، وهو ما أكده عازف الغيثارة فرات النفاتي وهو أحد أعضاء مجوعة موسيقية شبابية في تونس عند حديثه لـ”العرب”.

وأثار العازف الشاب فرات إشكالية الثقافة الموسيقية العربية قائلا “إن الشباب العربي اليوم لا يعير اهتماما إلى الموسيقات التي تخرج من أنامل الباحثين الشباب في الموسيقى، فالمستمعون يسارعون إلى استهلاك الأغاني السريعة وذات الكلمات الحادة والتي لا تخدم القضية محل الأغنية، بقدر ما تزيد من تشويهها عبر التناول السطحي لها”.

يجب الدفاع عن موسيقى الراب لأنها قريبة من الواقع وتحاكي الحياة اليومية والقضايا الأساسية أيضا

ويكشف هذا التصريح إشكالية أخرى في موسيقى الراب وهي أن مغنّي الراب غالبا ما يلجؤون إلى إظهار الجانب التصادمي مع المجتمع أو أجهزة الدولة أو الثقافة، الأمر الذي يحول الأغنية إلى مساحة من التوتر وليست مساحة لتذوق الفن، وهذا ما يريد أن يتحاشاه الموسيقيون الشباب من مؤيدي رأي فرات النفاتي، “خوفا من التكرار والسقوط في الرداءة” حسب رأيه.

وبالعودة إلى طبيعة نشأة أغاني الراب، فإن بعض منتقدي هذا النوع من الأغاني قد أصاب حين اعتبرها موسيقى لا تتناسب مع كل الشعوب والأذواق والأفكار. فقد أصبح الراب موسيقى مسموعة لدى الجمهور الذي تعبر عنه طبيعة تلك الأغاني ذاتها. ومن بينها نقد الرأسمالية المتوحشة وطبيعة العمل في الدول الغربية التي تمتاز ببنيتها الصناعية المتطورة والتي تحتاج عملا مطولا. كما تتحدث كلمات أغاني الراب عن العداء الشديد للحكومات المحافظة، وقضايا أخرى متعلقة بالعنصرية والزنوج وغيرهما. كل هذه القضايا كانت رائجة ومحل انتقاد فني في فترة زمنية ماضية وفي مواقع جغرافية أخرى من العالم مختلفة عن الطبيعة العربية، وهذا ما يجعل انتشار الراب في صفوف الشباب العربي أمرا دون معنى.

ولئن أشار الطاهر القيزاني إلى أن أغاني الراب “لا تخضع إلى قوانين وقواعد موسيقية عند إنتاجها” في سياق أن موسيقى الراب يمكن أن تكون متاحة للجميع، إلا أن هذا الرأي يعتبر لدى الموسيقيين التقليديين أمرا يمس من الأعمال الفنية التي يمكن أن تكون بديلا جيدا عن الراب في الواقع. ولعل جمهور السمفونيات وعشاق الموسيقات العالمية الكلاسيكية وحتى مستمعي موسيقى الريغاي والبلوز والجاز وغيرها، يؤكدون أن الراب موسيقى تفتقد للبحث والعلمية والإبداع داخل التقنيات الموسيقية. ولئن بدا هذا الموقف محل نقاش بين الملحنين والمؤلفين الموسيقيين مثل الطاهر القيزاني الذي لا يميل للتقعيد الموسيقي، إلا أنه موقف منتشر لدى “المحافظين” الموسيقيين.

12