الراحلون يستحقون أكثر من الحزن

بعد لوعة الفراق الأولى، يتحول الراحل إلى ذكرى. حجم هذه الذكرى يرتبط بقيمة الإنسان في محيطه. داخل الأسرة تكون الأمور أبسط. ذكريات الأم العطوف والأب الراعي. سلسلة مشاهد تتكرر، وبعض الكلمات بين حين وآخر.
الأربعاء 2021/01/06
حيوية حاتم علي أثارت إلى آخر لحظة من حياته المزيد من مشاعر الصدمة

تعدد رحيل المشاهير على آخر العام الماضي ومطلع العام الجديد. من سوريا المخرج حاتم علي، ومن مصر السيناريست وحيد حامد، ومن لبنان إلياس الرحباني. من الصعب القول أن هذا الفنان كان أكثر شبابا فنحزن عليه وذاك عاش وشاف وأخذ حصته من الحياة. لا توجد طريقة للآن لتعويض رحيل الإنسان.

كتب أصدقاء الراحلين الكثير من التأبين في تغريدات وبوستات على تويتر وفيسبوك. كثير من الفنانين السوريين والعرب عبر عن الصدمة برحيل حاتم علي. حيوية حاتم علي إلى آخر لحظة من حياته أثارت المزيد من مشاعر الصدمة. لم يرسل أية مقدمات. المصريون بدورهم أبنوا وحيد حامد. صناعة السينما المصرية تقدر خسارتها في رحيل هذا الكاتب/السيناريست المبدع. شخّص واحد من النقاد قدرة وحيد حامد اللافتة في التأثير على عموم الشعب المصري. وصفه بمثال لـ”القوة الناعمة”. ما كتبه، وقاله نجوم السينما المصرية على لسانهم في أفلامهم، صار جزءا من مفردات الحديث التي تتردد بين المصريين حينما يصفون الكثير من منعرجات حياتهم اليومية، من الوقوف في طابور الجمعية إلى التعامل مع السلطة، مرورا بمشاهد تجمهرات الإسلاميين. بعد سنوات ستنسى الناس وحيد حامد، لكن كلماته ستبقى تتردد. مثله مثل موسيقى إلياس الرحباني، التي ينعى اللبنانيون من خلالها عصرهم الجميل. تقول الرحابنة، فتبرز صورة لبنان الأخاذة: بلد صغير بتأثير ثقافي وفكري وسياسي كأنه “قوة عظمى” عربية.

يستحق الراحلون أكثر من الحزن. بعد لوعة الفراق الأولى، يتحول الراحل إلى ذكرى. حجم هذه الذكرى يرتبط بقيمة الإنسان في محيطه. داخل الأسرة تكون الأمور أبسط. ذكريات الأم العطوف والأب الراعي. سلسلة مشاهد تتكرر، وبعض الكلمات بين حين وآخر. بمرور الوقت يتبدد الحزن. خارج الأسرة يحتاج الراحل أكثر من هذا كي يصبح جزءا من الذاكرة الجمعية لمن حوله، أو في المجتمع أو أوسع من هذا على مستوى البلاد وخارجها. لا تكفي الشهرة. الأثر هو المهم.

وجدت مبادرة خدمة “شاهد” من قناة أم.بي.سي لافتة. وصل خبر رحيل حاتم علي صباحا، ولم تتأخر “شاهد” فأضافت مساء “بوابة” تحتفي بأعمال الراحل. وضعت باقة من مسلسلات أخرجها حاتم وحثتنا على تذكر إنجازاته المهمة في الدراما العربية. تذكرنا كيف عبر الحدود أيضا من سوريته إلى فلسطين ومصر، وإلى التاريخ حيث صلاح الدين وصعود وسقوط حكم العرب المسلمين للأندلس. احتفاء مباشر يليق ويرضي من يهتم بالراحل، وليس على طريقة حماس المؤسفة بأن تحتفي به، ليس كإنسان مبدع ترك علامته، بل لأنه أخرج مسلسل “التغريبة الفلسطينية”. المهم القضية لديها وليس أي شيء آخر.

بعد يومين وصل خبر رحيل وحيد حامد وبادرت “شاهد” مرة أخرى بباقة تذكير بأهم أعماله. باللاوعي تجد نفسك وأنت أمام التاريخ المعاصر لمصر. خليط من المواقف والسخرية، لكن إذا شاهدت أعمال وحيد حامد، تعرف لماذا نحن أمام المشهد المصري الحالي وأمام مشهد إقليمي مستلب. جرعات مكثفة من الدراما السينمائية والتلفزيونية تروي الحكاية: سلطة وانهيار منظومات القيم وصعود للملتحين.

تسجيل مساهمات إلياس الرحباني سيكون مهمة محبيه. الموسيقى لا تحتاج إلى من يوثقها في خدمة مثل خدمة “شاهد”. يوتيوب يتكفل بالأمر.

انتهى الحزن وبقيت الذكرى والأثر. هذا ما يهم.

24