الراديو والتلفاز دمرا عائلة بأكملها وشتتاها إلى الأبد

أحمد أبوخنيجر، كاتب مصري يؤسس بكتابته المتنوعة، حالة كتابية مميزة تتصل بتراث جماعته الجنوبية، وبما تغوص به في عمق المكان والإنسان معا.
السبت 2018/06/23
شخصيات حية من لحم ودم (لوحة: حسام بلان)

في رواية “العمة أخت الرجال” لأحمد أبوخنيجر، التي أعادت دار بردية للنشر والتوزيع طباعتها من جديد، نحن مع عالم محلي بامتياز. عالم يهيمن عليه صراع الأشخاص مع الأنساق المهيمنة، وإن كانت الغلبة لهذه الأنساق التي استطاعت أن تتحكم في مصير العائلة، تارة بالشتات والفناء وتارة أخرى بالوأد التام.

لعنة العبيد

تتعقب الرواية مصائر ثلاثة أجيال مختلفة من عائلة عبدالله الرحال، وصولا إلى عثمان آخر مَن رحل، وقد انتهى به الحال إلى العمل بعد أن جرته الدروب تجاه البندر، ليبدأ حياة جديدة بشكل منفرد، وبعيدا عن غطاء العائلة. أصابتهم جميعا لعنة العبيد، تلك التجارة التي مارسها الجيل الأول من العائلة، واكتوى الجميع بالشتات كعقاب إلهي.

يتداخل في الأحداث الأسطوري مع الحلم؛ ليتولد طقس عجيب، خاصة في تخيلات رحلة الحج أثناء كتابة ورسوم عيد على الجدار. ولا تقف حدود العالم الأسطوري الذي صنعه عيد بخياله ورسومه عند حدود الأحلام، بل يستمر الراوي في سبغ المشهد كله، فما إن تستيقظ العمة وتستند على عكازها خارجة إلى الحوش “رأت الحوش وكأنه مضاء، وأصوات الغناء والابتهال والأنين تتردد واضحة بين جنباته، رأت النخلة قائمة في سُرة البيت، تتراقص حول أطياف، بدت واضحة، تردد الأصوات التي أخذت في التمايل والوضوح والارتفاع، وهي تتقدم”. في هذا المشهد الممتد والمروي من قبل الراوي الغائب، وليس على لسان عيد كما في المشهد السابق، نحن مع خرق لحدود الواقعي والإيهامي أو الخيالي، فعالما الخيالي والإيهامي في المشهد السابق، يمتدان دون توقف وكأن لا حدود بينهما.

تقدم الرواية عالما من الكرنفالية كما هو عند باختين، فالرواية حافلة بالطقسية والعادات؛ فثمة عالم من البهجة يقدمه الراوي، وهو يرصد لعيد، وهو يرسم ويكتب على الجدران، وكذلك أثناء وصفه لسباق الخيل الذي تتصدره فاطمة، وأيضا وصفه للعبة التحطيب، التي يمارسها عثمان، حتى ولو كانت الأجواء عدائية. الشيء اللافت أن شخصيات الرواية ليست “شخصيات من ورق” وفقا لرولان بارت، وإنما هي “شخصيات حية من لحم ودم” تتآلف مع الكائنات التي تعيش معها.

الرواية تقدم عالما من الكرنفالية كما هو عند باختين، فهي حافلة بالطقسية والعادات؛ حيث يقدم الراوي عالما من البهجة

هذا العالم بكل خصوصيته وفرادته، يختصر حالة الوحدة التي آلت إليها بعدما أصاب البيت الشتات ولعنة العقاب، وقد حُرمت من الليالي الدافئة منذ أنْ خلا البيت من الرجال. باستثناء زيارات عيد التي تتكرر يوميا عقب صلاة الفجر وقبل الغروب ليطمئن عليها، حاملا بعضا من البرسيم وأعواد الذرة.

يتوقف الراوي وهو يرصد للتغيرات، التي طرأت على عائلة عبدالله الرحال، بعد أن ضرب القدر ضربته داخل العائلة، وعمل على تفريقها؛ يتوقف عند التحولات التي أصابت بنية المجتمع من إحلالات وإبدالات، كسرت أولا سطوة الأفراد بعد إلغاء العبودية، ثم ثانيا، سيادة نمط الاستهلاك، الذي جعل العلاقات متوترة. فظهور الراديو أو صندوق الجن كما أطلقت عليه الجدة، كان له تأثيره الفادح على عوض الله الحلبي، فعندما جاء في أحد المساءات وكان شابا، وما إن ذهب إلى دار السيدة كما اعتاد، حتى وجد الفتور على غير العادة، ومن هذه اللحظة صار الراديو غريمه. كما كان له تأثير على العلاقات الاجتماعية، فأُصيب الناس بالصمت أمامه.

كما كان لظهور التلفاز أثره هو الآخر في صبغ العلاقات بالمادية، فقد لاحظت العمة فاطمة بدء تناقص النساء اللواتي كن يحضرن إليها للثرثرة، أو يستمعن للحكايات التي تقصها، ومع ظهور الأطباق اللاقطة حدث الاختفاء التام. هنا يرسم الراوي علاقة طردية بين التكنولوجيا والعلاقات الإنسانية، وتأثيرها في شيوع النمط الاستهلاكي، الذي هو ضد نمط التبادل الذي تأسست ونشأت عليه القرى.

تقنيات حداثية

تعتمد الرواية على نظام التقطيع والتداخل، حيث يتم تقطيع الزمن أثناء الحكي، ويعود الراوي وهو يحكي عن شخصياته، إلى أزمنة مختلفة أقدم من زمن الحكي، تعود إلى زمن تأسيس البيت الكبير، الذي بُني خارج البلدة، ويشبه القلعة. وعندما يروي السارد عن علاقة فاطمة/ العمة بعوض الله يرجع إلى أسباب كراهيتها المضمرة، وهي أقدم من وجود سعيد ذاته، الذي تتهم عوض بإغوائه بالترحال، إلى تواطؤ فاطمة وخسارتها سباق مصطفى.

وبالمثل عندما يحكي الراوي عن عيد الحفيد يوقف الزمن، ويعود إلى عيد الكبير الجد وكيف أخذ الكرامة من سيدنا الخضر. ثم يتنامى الحدث ونصبح إزاء صورة أوسع عن عالم العمة عبر هذه الوقفات المشهدية، خاصة بتوقف السرد مرة ثانية، بمقتطف من سيرة السيدة، يروي فيه نشأتها، ثم ينتقل السارد إلى العاçئلة وهي في طورها الثالث، الذي سيشهد الانهيار العظيم، حيث لم يبق للعائلة من مجدها القديم سوى سمعتها فقط. وأحيانا يستبق الحدث، بعرض موجز له، ثم يشرع في التفصيل.

رواية مصرية تصور الشتات كعقاب إلهي
رواية مصرية تصور الشتات كعقاب إلهي

لكن مع وحدة كتاب الرجال، يبدل الراوي الروي بالضمير الغائب، إلى الأنا، فينقل من منظور الشاهد والمشارك في الأحداث، بعد أن كان يروي بوصفه مرويا له الحكاية من قبل الآخرين، ثم يظهر بصوته، متلبسا كل صفات الأنا حيث الأنفة والغضب مما يروي، فيتدخل بتعبيراته التي تؤكد تماهيه في الجماعة التي ينتمي إليها.

فيرفض هذه الإهانة، ثم يتوحد صوته مع صوت جماعته ويقول “لم يكن هناك شك في أن موقفنا صار حرجا، وكرامتنا عرضة للتمرغ في الوحل” ثم يعود من جديد إلى حيدته هكذا: “الشاب الذي بدا حييا في كلامه وهو يزحف مقتربا من حواف الدائرة، لم يلفت انتباها قلنا: غريب، كأي غريب ينزل بساحتنا أيام الأعياد، وجهه يحمل سمت الغرباء، نظراته غير المستقرة، لهجته المترددة التي تتحسس وقع الكلمات قبل النطق”.

وفي مرحلة لاحقة تتحول الأنا إلى النحن، فيرصد الراوي بصيغة النحن حيث صار صوتا للجماعة “إن لم يفلح هو الآخر (يقصد عثمان) ضاعت هيبتنا تماما، لكن الدهن في العتاقي، وإلا صار علينا أن تنغلق حلقتنا بالضبة والمفتاح، وإلى الأبد”.

تميل اللغة إلى التماهي بلغة القرآن، سواء في ما تحدثه من سجع أو من صور واستعارات، فعندما يصف غروب الشمس يقول “عصرية عيد الأضحى، والشمس تجري لمستقرها في الغروب، لتكتسي الساحة المنبسطة أمام الولي الفقير بالظل” وبالمثل “كانت دواجنها هاجعة في الظل، ترقد في انتظارها”، وتارة “ودار دورته خلال النهار، فلما جن عليه الليل ذهب إلى دار السيدة” وهذا الحضور يعكس طغيان الحس الديني لهذه البيئة.

في الأخير، انشغلت الرواية بتفكيك الأنساق المهيمنة، بعيدا عن الشعارات، وإنما عبر نماذج حية استطاعت أن تنتصر للمرأة كما في نموذج العمة فاطمة، التي تغلبت على الذكور في السباق، أو بتحايل الأم فاطمة على مصائر الأسرة المتشابهة بالفقد، فأخذت تختار أسماء أبنائها على أسماء إخوتها.

15