الراعي الوحيد

سيميوني ذلك المدرب الذي صمد في منصبه أكثر من أي مدرب آخر ينشط حاليا في الدوري الإسباني، كان فعلا “راعيا” ذكيا ومبدعا يمشي لوحده على درب التألق والنجاح.
الأحد 2018/08/26
سيميوني يمشي لوحده على درب التألق والنجاح

في عالم كرة القدم والرياضة عموما كما في عوالم الموسيقى ثمة دوما مكان للإبداع والطرب والإمتاع، ثمة مساحة وأماكن نائية وقصية يكتشفها “المغامرون” والعباقرة، أماكن ليس بمقدور الجميع الإطلاع عليها، فأصحاب الجرأة والموهبة الفذة هم فقط أصحاب الريادة والقيادة والإبداع الخالد.

منتصف الأسبوع قبل الماضي، وأنا أتابع مباراة كأس السوبر الأوروبي بين ريال مدريد وجاره “اللدود” أتلتيكو مدريد، لا أدري، كيف تهافتت عليّ المقطوعة الموسيقية العالمية “الراعي الوحيد” التي قدّمها الموسيقار الروماني الشهير جورج زامفير في أواخر سبعينات القرن الماضي.

تلك الموسيقى الموغلة في العبقرية والروعة، تلك النغمات الممتدة عبر أفق رحب لا ينتهي فيصيب المتلقي بغبطة نادرة ومتفردة، أبت إلاّ أن تسكن وجداني في لحظات متناقضة عند متابعة تلك المباراة المثيرة والمليئة بالحركة بين الريال والأتلتيكو.

يا الله، كيف لهذه المقطوعة المتفردة التي اتخذت عوالم السكون والهدوء والسمو من هذا العالم المليء بالضجيج شعارا لها، أن تلحّ عليّ بكل قوة، فتهيمن على مخليتي وتطرق بكل ألوانها الساحرة ونغماتها أذنيّ وروحي، فتهافتت الروح واستكانت فتماهت مع ذلك الالتحام الوطيد مع أطوار ذلك اللقاء المشوّق والمفعم بالتقلبات.

لم أعلم ما الذي دفع المخيلة لتستحضر هذه المقطوعة الموسيقية في عزّ مشاهدة فصل من فصول المباريات الرياضية، لم أدري كيف لهذه الذاكرة الموسيقية أن تنشط في غير وقتها وبلا أي موجب، فتأتي بهذا “الراعي الوحيد” وتنصّبه “بطل” هذه السهرة الكروية.

فجأة انجلى الغموض وانكشف السرّ.. سرّ حضور هذا “الطارق” في مخليتي ساعة المباراة، ففي برهة وفي لحظة فارقة خلال هذه المواجهة ركزت عدسات المخرج على الأرجنتيني دييغو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد عندما كان يتراقص فرحا بعد عودة فريقه في هذه المباراة الغريبة التي بدأها الفريق بقوة فافتتح النتيجة منذ الدقيقة الأولى قبل أن يتأخر بهدفين، لينهي المواجهة متفوقا بأربعة أهداف مقابل هدفين.

حينها أدركت الحقيقة، وعلمت سبب استحضار سحر مقطوعة الموسيقار زامفير، فهذا “الراعي الوحيد” لا يعدو أن يكون في عالم كرة القدم سوى هذا المدرب الشغوف المكافح والصبور.

هو بلا شك سيميوني الذي نال العلامة الكاملة وأصاب الريال في “مقتل” لينتزع منه لقبا جديدا، لقد كان هو “البطل” و”الراعي” الذي أتقن عمله وكان بحق قائد مجموعة الأتلتيكو الرائعة.

سيميوني كان “الراعي” الوفي الذي لم “يخن” الماء والملح مع الأتلتيكو، فحافظ على مكانه لأكثر من ست سنوات، كان نعم “الراعي” لأن ما حصده هذا الفنّي من ألقاب وبطولات جعل منه المدرب الأكثر نجاحا في تاريخ النادي.

التاريخ يحفظ ذلك، والأرقام تثبت هذا الولاء والوفاء وتؤكد تفوق سيميوني و”عبقريته” في مجال التدريب، تماما مثل “عبقرية” وتفرد موسيقى “الراعي الوحيد”.

فسيميوني الذي خبر جيدا كواليس النادي عندما كان لاعبا، نال شرف تدريب الفريق في بداية عام 2012، كان الأتلتيكو يعاني كثيرا في تلك الفترة، لم يكن قادرا بالمرة على مزاحمة الريال وبرشلونة، كان بحق فريقا يصنف ضمن أندية الصف الثاني.

غير أن الوضع تبدل مع هذا الأرجنتيني، لقد أرسى دعائم جديدة وفرض “قانونه” الخاص، كان مدربا جسورا وصبورا ومتطلعا للتألق، نجح سريعا في تحقيق نتائج جيدة، والأكثر من ذلك أنه تجرأ على الاقتراب من ثنائي الزعامة الريال وبرشلونة فافتك بكل استحقاق مكانا دائما إلى اليوم ضمن “زعماء” الليغا وكذلك أوروبا.

ميزة سيميوني الأساسية أنه لم يتكبر على فريقه، لم يتنصل من مسؤوليته، لقد جاء كي “يرعى” هذا الفريق، قدم كي يترعرع الأتلتيكو ويكبر ويصبح من كبار القوم، ولم يفكر للحظة في ترك مهنته ومهمته كـ”راع” دائم لهذه المجموعة رغم كثرة الإغراءات القادمة إليه من كل حدب وصوب.

أكثر من ستة أعوام انقضت، والشغف الدائم لدى سيميوني مستمر، لقد أتقن اللعبة وحفظ عن ظهر قلب “أصول” حماية مصالح فريقه، لقد حفظ حقوق “الرعية”، وقاد “الأتليتي” بكل تفان في طريق التألق والتتويجات.

هو بحق نعم “الراعي”، كان بطلا مميزا تماهى تماما مع متطلبات معزوفة ذلك الموسيقي الروماني الذي أدهش العالم بأسره بمعزوفته التي خلّدتها بعض الأعمال السينمائية، بل بقيت إلى اليوم مطلبا دائما من عشاق الموسيقى الحالمة الساحرة.

هو بالضبط هكذا، هذا المدرب الفذ، فكل عبقريته وموهبته وسحره وظّفها بكل براعة مع الأتلتيكو “ليصنع” منه فريقا قويا بفكر تدريبي متطور ومنفرد، أدى إلى حصول الفريق على سبعة ألقاب محلية وأوروبية خلال ست سنوات فقط.

استحضرت أيضا ما فعل هذا المدرب في الموسم الماضي، فالفريق لم يبدأ موسمه بالشكل المطلوب، ابتعد نسبيا عن برشلونة متصدّر “الليغا” ثم غادر مبكرا مسابقة دوري الأبطال، لكنه في النهاية وبفطنة “الراعي” المتبصّر وجّه تركيزه نحو مسابقة دوري أوروبا فتوجّ بها، وأكد أنها اختصاص إسباني بحت يتفرد به “الأتلتيكو” بالأساس.

بعد كل هذه الأمور لم يعد هناك مجال للاستغراب والحيرة عند البحث عن سبب هيمنة موسيقى “الراعي الوحيد” عليّ خلال مباراة الريال والأتلتيكو، فسيميوني ذلك المدرب الذي صمد في منصبه أكثر من أي مدرب آخر ينشط حاليا في الدوري الإسباني، كان فعلا “راعيا” ذكيا ومبدعا يمشي لوحده على درب التألق والنجاح.

23