الراعي والإرهاب والدولة المتقاعسة

الثلاثاء 2017/06/06

ليس التاريخ من يعيد نفسه ولكن الحمقى هم من لا يتعلمون من أخطائهم في الماضي. مثال ذلك أن الإرهاب في تونس ما يزال يتغذى من أخطائنا نحن. وهذه المرة جاءت ضربته في جبل المغيلة (من محافظة سيدي بوزيد) مدمية ومخجلة، على قلة ضحاياها.

قبل عامين شغل خبر مقتل الراعي الطفل مبروك السلطاني ذبحا وسط مواشيه في الجبل، العالم بأسره ليس بسبب بشاعة الحادثة المجردة من كل حس إنساني أو ديني فحسب، ولكن أيضا لحدوثها في سياق ضربات متتالية ومنوعة لتشمل الحلقة الأضعف من المواطنين الأطفال.

جاءت تلك الحادثة بعد أن كنس الإرهاب قبل عامين وفي وضح النهار العشرات من الضحايا في متحف باردو (بالعاصمة) وفي فندق أمبريال مرحبا بسوسة، الضربتان الأكثر دموية في تاريخ تونس، وما تلاهما من ركود كارثي لا زالت الديمقراطية الناشئة تعاني تبعاته حتى اليوم.

في لحظـة ما أعاد رأس السلطاني الطفل وهو محمول في كيس لعائلته، كابـوس العشـرية السـوداء في الجزائر إلى أذهان التونسيين. وبدا أن الدولة على حافة الهاوية لولا أن الأقدار وهبة الرجال حالتا دون السقوط في ذلك المنزلق.

اليوم تعود القصة من حيث بدأت فيسقط شقيق مبروك الأكبر في نفس المكان وبذات الطريقة بين أيدي الوحوش، في مشهد مأساوي متكرر ألقى بالكثير من الإحباط على التونسيين. فإذا كان الشيء يكرر ذاته فإن أكثر ما يخشاه التونسيون اليوم هو أن تغدو كل الجهود في محاربة الإرهاب مجرد عبث سيزيفي.

بالعودة إلى الوراء ومنذ سنوات قليلة أخذ الإرهاب في تونس مجرى آخر، أكثر تغلغلا وشراسة. وجد هذا المنحى أرضية خصبة فيما كشفت عنه الثورة في 2011 من بروز شباب يائس، محبط ومتطلع إلى واقع مختلف وفي حل من قيود السلطة وعيون الرقباء والمخبرين، وبعضه بدا متعطشا للعنف والقصاص كيفما كان.

وجد العنف المتصاعد تبريره في ما حف به الماضي من كبت وتضييق ليشق طريقه بثبات وسط الشوارع والجامعات ومن ثم إلى الجبال ووسط الأحراش ليتحول إلى غول حقيقي مهدد لكيان الدولة.

لم يكن الأمر على تلك الشاكلة من السهولة للجماعات العنيفة ودعاة التشدد لو لم يكن وراء الأكمة ما وراءها. فالتشدد أو الإرهاب، وإن لم يكن يتمتع بأي حاضنة في تونس حتى في ذروة صعود الجماعات السلفية المستفيدة من حالة الفراغ وضعف الدولة ومناخ الحرية بعد الثورة، فقد سمح لنفسه بأن يتمدد ويجد له موطئ قدم عبر أبواق سماسرة المجتمع المدني نفسه والأحزاب المتلونة وتحت قبة البرلمان أيضا.

نعم لم تكن للإرهاب حاضنة شعبية في تونس. فلقد شكلت الكثير من الملاحقات العلنية للإرهاب ومن بينها معركة بنقردان ضد مسلحي داعش ضربات قاصمة لمروجي تلك الفكرة. لكن مع ذلك منح الإرهاب صكا ليشتغل بأريحية من داخل مجلس الشعب نفسه حينما علت أصوات تسوق لنظرية المؤامرة ومقولة “الإرهاب فزاعة”، إلى أن رحل من رحل من شهداء الجيش غدرا وسقط من سقط من البسطاء والرعاة وقودا لهذه المحرقة.

بعد كل ذلك فعندما يعيش الرعي والإرهاب جنبا إلى جنب على أرض واحدة فعلى الدولة أن تسأل هنا عما صنعته وقدمته لأهالي دوار (قرية) السلاطنية، منذ هلاك ابنهم الأول، وغيرهم من العائلات القاطنة في تلك المناطق النائية على الحدود. فرحيل راعيين من نفس العائلة في جبل المغيلة، مصيبة يتجاوز نطاقها عائلة الأخوين المغدورين.هي مصيبة دولة بلا شك.

لقد نبه الكثير من الخبراء إلى أهمية أن تعكف الدولة على تحويل تلك المناطق الحدودية إلى خط المواجهة الأول مع الإرهاب، ليس بالتسليح والعتاد وإنما بتغطيتها ببرامج التنمية ومنح أبنائها الوطنيين المتمسكين بالأرض والموطن أولوية الانتداب في المؤسسة العسكرية والأمنية.

بذلك تقطع الدولة الطريق على إغراءات عصابات المال والدين من الاندساس والاستقطاب.

ولكن بدل ذلك ترك المواطنون في تلك المناطق النائية ليواجهوا مصيرهم بأنفسهم إلى أن حلت الكارثة تلو الأخرى. ليس هناك من تفسير لذلك سوى أن الدولة لا تعمل ولا تتقدم ولا تتعلم من الأخطاء ولا تلتزم بوعودها. وهذا بحد ذاته الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبل التونسيين ويجعل الآفاق مظلمة.

لقد استفاد الإرهاب كثيرا من “المبرراتية” ولكنه أيضا أحسن استغلال حالات الارتخاء وتقاعس الدولة ليضرب ضربته في غفلة منا. وعلى ذلك يمكن أن نقيس معركة الدولة الخاسرة في التنمية وإصلاح الإدارة وتحسين مستوى العيش لقطاعات واسعة من الناس منذ إطلاق ثورتهم في 2011، والأخطر من ذلك الفشل في حماية الأرواح.

كاتب تونسي

4