الرافعة الإستراتيجية للعلاقات المصرية الخليجية

الاثنين 2015/02/09

عندما أذاعت بعض القنوات التابعة لجماعة الإخوان، بما فيها الجزيرة، ما وُصف بأنه تسريبات تضمّنت نقدا لبعض دول الخليج، سألتُ مسؤولا دبلوماسيا مصريا كبيرا، عن رأيه فيها، لم يؤكد أو ينفي حدوثها، لكنه شدد على الإمعان في توقيتها وأهدافها، فقد جاءت وسط حملة عنيفة تخوضها جماعة الإخوان، وعدد من حلفائها في الغرب والشرق الآن ضد النظام المصري، بعد أن فشلت محاولات إضعافه السابقة، باستخدام كل الأسلحة القذرة، إعلامية وأمنية وسياسية.

استهان المسـؤول بالأمر، وأكـد أن الهـدف معروف، ولن ينطلي على أحد، لا في القاهرة ولا في غـالبية الـدول الخليجية الشقيقة، وهو تخريب العلاقة التي شهدت تطورا كبيرا بين مصر وكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والكويت والبحرين، لذلك جرى التعامل مع المسألة بقـدر كبير من ضبط النفس، لوضعها في حجمها الطبيعي، لأن أغراضها في هـدم العلاقات معروفة، وبالتالي لن يتم تمكين من وقفوا خلفها من الوصول إليها، وبدأت مصر تحركاتها الدبلوماسية لامتصاص أي رواسب يمكن أن تترتب عنها.

الحاصل، أن التسريبات الهاتفية تزايدت في الفترة الماضية، واستهدفت قيادات مصرية، وبصرف النظر عن صحتها أو زيفها، فهي في النهاية تريد الإيحاء بأن النظام المصري “مهزوز وتم اختراقه، ويعاني من خلافات داخله”، لكنها في الحقيقة تؤكد نقطتين.

الأولى أن النظام المصري الحالي لا يزال يمثل إزعاجا لدول كثيرة في المنطقة وخارجها، وأنها تبحث عن ثغرات للنيل منه، وتخريب علاقاته الجيدة مع الدول التي تسانده.

والثانية أن هناك جهات محلية وإقليمية ودولية لديها مصالح متشابكة، تتكاتف لضرب أهم حلقة ساندت، وتساند، النظام المصري، وهي الحلقة الخليجية، ليس لرفع الغطاء عنه، حاليا، لكن لتحقيق أهدافها الإستراتيجية في المستقبل.

فحدوث أي شرخ مصري – خليجي، سوف تستفيد منه أطراف متعددة، لأنه يؤدي إلى إضعاف الطرفين، فكما تمثل دول الخليج العربي رصيدا لمصر، تمثل الأخيرة رصيدا له، فالعلاقة لا تغمرها فقط العواطف والوشـائج الإنسانية، لكن الأهم أنها محكومة بحزمة كبيرة من المصالح المشتركة، فتـأييد غالبية دول الخليج للموقف المصري، عقب ثورة 30 يونيو 2013، لم يأت حبا في القاهرة أو كرها لحكم الإخوان فقط، بل أيضا، لأن ثمة ثوابت مشتركة جامعة، تفرض هـذا التكاتف دفاعا عن مجموعة كبيرة من المصالح الإستراتيجية.

كما أن مصر، التي أعلنت قيادتها، ليلا ونهارا، أن أمن الخليج العربي خط أحمر، وأن القوات المصرية، ستكون جاهزة “مسافة السكة” لمساندة دوله، لم يكن وليد عاطفة، أو سعيا إلى مزيد من المساعدات، لكنه دفاع حقيقي عن الأمن القومي المصري، الذي يبدأ من المحيط إلى الخليج، خاصة في ظل حملة شرسة من الطموحات والتطلعات، تقودها إيران للهيمنة على هذه المنطقة الحيوية، وفي خضم هجمة بغيضة، تبدو جماعة الإخوان رأس الحربة فيها، بالتعاون المباشر وغير المباشر، مع عناصر إرهابية ومتشددة من دول مختلفة، ووسط اشتعال الموقف في اليمن، بما يرخي بظلال سلبية على مصر ودول خليجية.

الترويج بأن مصر، تنظر لبعض دول الخليج نظرة “دونية” ينقصه الذكاء، لأن الدولة التي أشرفت على إذاعة التسريبات، وتسـويقها بصورة مشوقة وجذابة، لها تاريخ في استمراء العداء مع مصر، ظهرت معالمه خلال الأشهر الماضية، وتريد من وراء هذه الخطوة، إرسال رسالة تقول إنها كانت محقة في فرملة تطبيع علاقاتها مع مصر، وأنها على صواب في تحركاتها تجاه إيواء عناصر الإخوان، لأنها تعتقد أن اللحظة الفارقة لانتقال السلطة في المملكة العربية السعودية، يمكن استثمارها جيدا، وتوظيفها في الإيحاء أن الدولة (مقاول التسريبات) كانت تعلم نوايا القيادة المصرية، وعلى دول الخليج مراجعة علاقاتها.

قد تكون الحسابات السابقة على المستوى النظري صحيحة، لكن عمليا هي رؤية قاصرة مليئة بالفجوات السياسية، حيث حاول من وقفوا خلف التسريبات الأخيرة، اختيار توقيت تبدو فيه العلاقات بين القاهرة والرياض على قدر من الالتباس، وتم بثها في الوقت الراهن، لتعزيز ما يتردد من شائعات حول وجود فجوة بين القيادة المصرية والسعودية، والتأثير سلبا على المؤتمر الاقتصادي المتوقع انعقاده في مارس المقبل، والذي تعول عليه مصر لإحداث طفرة تنموية، كما أن الرهانات على الدول الخليجية لإنعاش الاقتصاد المصري كبيرة، وقد أعلنت دول خليجية مساعدتها، بما فيها السعودية.

النقطة التي غابت على أصحاب التسريبات، ومن وقفوا خلفها، أن هناك رافعة وقاعدة إستراتيجية متينة بين مصر ودول الخليج العربي، لا تهتز بحادث عابر هنا أو موقف طارئ هناك، والدليل أن جميع القيادات وفي مختلف العصور، لم تؤثر توجهاتها على الثوابت الأساسية للعلاقات، مهما كانت هوية الحاكم المصري، فخلال عهـد الرئيس جمـال عبدالناصر بدت العلاقات قلقة مع الرياض، لكنها عادت إلى طبيعتها، ولعل موقف السعودية في حرب أكتوبر 1973 ليس بحاجة إلى دليل، حيث كان الملك فيصل بن عبدالعزيز واحدا من ثلاثة رؤساء (مع السادات والأسد) على علم بموعد الحرب.

وحتى خلال سنة حكم الإخوان، لم يتوقف الدعم الخليجي لمصر، بمعنى أن العلاقات تحكمها أسس متينة، قادرة على مواجهة العواصف، فما بالنا إذا كانت منغّصات سياسية تكمن في دقائق وربما ثوان مشكوك في صحتها؟

الحفلة الإعلامية والسياسية، التي أعدتها قنوات تابعة للإخوان، قد تأتي بنتائج إيجابية، لأنها سوف تدفع الجانبين المصري والخليجي لمزيد من الحوار والمصارحة، بشأن قضايا في المنطقة تستوجب التفاهم، وإزالة ما بدا للبعض أنه ملامح خلاف سياسي، فالتسريبات أمرها مقدور عليه، لأن دوافعها مفهومة وغير خافية على أحد، أما الملفات الساخنة فهي التي تحتاج لمكاشفة، لأنها تساهم في تمتين العلاقات الإستراتيجية، التي يعتبرها كل جانب من محاور سياسته المركزية، حتى لو كانت هناك دولة لا تريد أن تعترف بهذه المركزية حاليا.


كاتب مصري

8