الراقصة والديمقراطية

الاثنين 2015/03/02

أعتقد أن سما المصري الراقصة التي ترفض وصفها بالراقصة وتقول إنها فنانة استعراضية صارت أبرز امتحان أمام شعارات الديمقراطية في مرحلة ما بعد ربيع العرب المشبوه، فتلك المرأة التي واجهت الإخوان وهاجمت الأميركان وبعثت قناة “فلول” الفضائية، وقدمت كليبات استعراضية فيها الكثير من الإثارة والحرارة، قررت خوض غمار السياسة فأعلنت ترشحها للانتخابات البرلمانية، وتم قبول ترشحها بعد أن تقدمت بنتيجة الكشف الصحي وتبيّن أن دمها غير ملوّث بالمخدرات، كما أن صحيفتها الجنائية نظيفة، وبالتالي فليس هناك ما يمنعها قانونيا من أن تكون نائبة عن الشعب تحت قبة البرلمان.

إلى هنا يبدو الأمر عاديا، فنحن في زمن الديمقراطية والليبرالية والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وكل تلك الشعارات الرنّانة التي برزت منذ أربعة أعوام في منطقتنا العربية، غير أن المشكلة أن البعض ممن يتبنى هذه الشعارات يرفض أن تترشح سما المصري للانتخابات، فهي في نظرهم راقصة وتقدم استعراضات مبتذلة وتعتمد الإيحاءات الجنسية في أعمالها الفنية، ولا ترى مانعا من تركيز الكاميرا على جمهورية الصدر والأرداف وما جاورها، إضافة طبعا إلى أنها لا تفهم في السياسة والاقتصاد والتاريخ والجغرافيا والصناعة والتجارة وعلم النفس وعلم الاجتماع والحضارة الفرعونية والتحالفات الدولية والعلاقات الدبلوماسية والتحديات الحضارية والتشريعات القانونية.

وحسب ما هو واضح، فإن الهجوم العنيف على سما المصري اتخذ أبعادا مختلفة وخصوصا من قبل نساء يعتقدن أنها غير مؤهلة لتمثيلهن في البرلمان ربما لدوافع ثقافية أو اجتماعية أو طبقية، وكذلك من قبل رجال لا يرون مانعا من مشاهدة كليباتها المثيرة عبر التليفزيون واليوتوب ومواقع التواصل الاجتماعي بقدر ما يرون مانعا من أن تمارس السياسة وتترشح للانتخابات، بل والأغرب من ذلك أنهم يلاحقون حركاتها بالعيون ويلعنون جرأتها باللسان، ولكن لعبة الديمقراطية لا تعترف إلا بالصندوق، وبالتالي فإن الحيلولة دون ترشح الراقصة يعتبر تعديا على حقها كمواطنة لم تقل أكثر من أنها ستقبل بنتائج اللعبة ولن ترفض النتيجة مهما كانت.

إلى هنا يبدو أن الراقصة فهمت طبيعة الديمقراطية أكثر ممن منتقديها، وهي قادرة على تقديم درس لمناوئيها لا يختلف عن ذلك الدرس الذي تابعناه في فيلم “الراقصة والسياسي”، لأنها وإن كانت راقصة أمام العموم فقد تكون أفضل من راقصين في الزوايا المعتمة.

24