"الراقصون" والطبال

السبت 2013/11/23

أذكر، ونحن طلبة لم تتوفّر لنا تكنولوجيا التواصل الاجتماعي كما هي الحال اليوم، أنّنا عانيْنا الأمرَّيْن (ندرة المال وهيجان العواطف) من أجل مشاهدة فيلم «الراقصة والطبّال» الذي أخرجه أشرف فهمي سنة 1984.

لم يكن أمامنا، وقتذاك، سوى الإضراب عن شراء السجائر لتوفير تذكرة دخول هذا الفيلم الذي استثمر فيه النجم أحمد زكي، في شخصية «عبده»، كلّ مهاراته الفنية لتعرية ما تُخفي تقاطعات الأوساط الفنية والمالية والسياسية، ممثّلة في علاقة الراقصة «مباهج» مع «المعلم هريدي»، من مآسٍ تُفرغ الإنسانَ من قِيَمه الروحية وتُعرّضه إلى إكراهات تقتل فيه حسَّه الجماليّ والوطنيّ والأخلاقيّ وتودي به إلى حال الإدمان والجنون.

والظاهر أن مشاهد هذا الفيلم ولعبة «الرقص» فيه ما تزال تجري فصولها في واقعنا المعيش وإن بإيقاع آخر، إذ ما إن اندلعت ثورات الربيع العربي حتى تكشّف للعيان وجود فئات حزبية متلبّسة بلباس الدّين راحت تعزف إيقاعاتها السلفية المسمومة بواسطة طبولٍ خَطابية وتدعو فيها إلى واجب فتح بلداننا فتحا «إسلاميا» جديدا يكونون هم أمراءَ حربه وقادتَها وحرّاسَ الرحمن الرحيم، وتكون الغاية منه إخراجُ شعوبِنا من حال الجاهلية والكفر إلى حال التحضّر والإيمان.

الغريب أنّ تلك الجماعات وجدت لها، في القرن الحادي والعشرين، جمهورا راغبا في الرقص، بل هو صالح للترقيص، ربما، بسبب ما عاش من عهود التكلّس السياسي والتردّي في زمنية مقيتة لطغاة شرّيرين جعلته يرغب عن الدنيا ويحلم بالجنة. وهو وضع استغلّته تلك الجماعات المتطرّفة واستثمرته في حفز أتباعها لهجر دنياهم بكلّ علومها وفلسفاتها ومعارفها والتعلّق بدوغمائيات لم تعد طبيعة العصر تقبل وجودَها على غرار «الخلافة» (وهي التي لم تتحقّق مطلقا في تاريخنا العربي الإسلامي)، و"الإتاوة" و"الحبوس" و"الجهاد" وغيرها.

وهو أمر تحوّلت بفعله منابر تلفزيونية عديدة إلى فضاءات لتحشيد الناس ضدّ بعضهم بعضا عبر دعاة وشيوخ بارعين في تحريض الناس ضد قِيَم التسامح واحترام الاختلاف في العقيدة والجنس والعرق. كما تحوّلت بفعله بعض ساحاتنا العربية إلى ميادين «للرقص» الجماهيريّ ولكنّه رقص هستيريّ تُزهق فيه الأرواح وتُدمّر فيه المدن وتُنهب فيه الثروات في ما يمكن أن نسمّيه رقصا مجنونا شبيها بما كنّا شاهدنا في نهاية فيلم "الراقصة والطبّال".


كاتب تونسي

9