"الرانجو".. إحياء لتراث مصري منقرض

الرانجو في الأساس آلة طقسية كانت تستخدم في الزار السوداني، واستخدمت أيضا في حفلات الزواج والأفراح عامة.
السبت 2018/06/30
جسر تواصل بين مصر والقارة السمراء

تتميّز فرقة الرانجو المصرية بلونها الخاص وموسيقاها المختلفة، فهي تقدّم مزيجا من الأغاني والموسيقى والرقص الأفريقي، وأعضاء الفرقة هم مصريون من أصول أفريقية، وتعد الفرقة بما تقدّمه من موسيقى تفاعلية مع جمهور مركز المصطبة الثقافي في القاهرة، مرة كل أسبوع على الأقل، مثالا للتأثير الثقافي الأفريقي في مصر، وهي تمثل جسرا للتواصل بين مصر والقارة السمراء.

القاهرة - تسعى فرقة “الرانجو” المصرية إلى المزج بين موسيقى الرانجو الأفريقية والزار المصري، مقدّمة مزجا فريدا من الأغاني بين اللهجة المصرية والسودانية، كما تستعين أيضا بأغان من التراث المصري تُؤدى على نفس إيقاع الموسيقى الأفريقية، الأمر الذي جعل من عروضها الأسبوعية بمركز المصطبة الثقافي في العاصمة المصرية القاهرة، موعدا قارا لأحباء هذا النمط الموسيقي المتفرد، حيث يستقطب العديد من الجماهير الباحثة عن الاختلاف.

وتأسست فرقة “الرانجو” على يد الباحث الموسيقي المصري زكريا إبراهيم مدير مركز المصطبة في القاهرة عام 1996، والذي خاض رحلة بحث طويلة لتوثيق التراث الموسيقي للمصريين من أصول أفريقية الذين تم جلبهم إلى مصر خلال القرن التاسع عشر بعد اجتياح محمد علي باشا للسودان.

وفي رحلة بحثه التقى إبراهيم بحسن بريجمون، وهو آخر العازفين على آلة الرانجو فاتفقا معا على توثيق هذا التراث الموسيقي، وتطور الأمر إلى تكوين فرقة موسيقية تحمل اسم هذه الآلة، وهي آلة تشبه آلة الأكسليفون، لكنها تعتمد في إخراج الصوت على صندوق مفرغ يحتوي على غرف ذات أطوال مختلفة موجودة أسفل كل قطعة خشبية، ويتم الدق عليها عن طريق مضارب معدنية أو خشبية أيضا.

موسيقى اللون

الرانجو في الأساس آلة طقسية كانت تستخدم في الزار السوداني، واستخدمت أيضا في حفلات الزواج والأفـراح، ولا يقتصر عزف الفرقة على آلة الرانجو وحدها إذ انضمت إليها مع الوقت، آلات أفريقية أخرى مثل الكيريا والبونجز والتوزة والشخاشيخ والجيمبي. ومن الآلات الرئيسية أيضا التي تتميز بها الفرقة “حزام المونجور” وهو حزام  مصنوع من حوافر الأغنام وله وقع موسيقي مميّز، ويتم ربط هذا الحزام حول جذع الراقص الذي يقوم بدوره بحركات اهتزازية راقصة ليصدر صوتا مميزا.

وتضم فرقة “الرانجو” نخبة من أهم الموسيقيين الراقصين والفنانين الشعبيين من ذوي البشرة السمراء في مصر، وعلى رأسهم جامع عبدالرسول ومصطفى زين وحسام فيكا وياسر بونجز وممدوح طومبانة وخليل جاكسون وعصام توتو، إلى جانب برجمون، العازف الرئيسي في الفرقة.

وقدّمت فرقة “الرانجو” عروضها في العديد من المسارح والمراكز الثقافية في المدن المصرية، إلى جانب مشاركتها في الكثير من الجولات الدولية والمهرجانات العالمية المتخصصة في الموسيقى التقليدية، كما أصدرت الفرقة ألبومها الأول في عام 2010 تحت عنوان “عروس الزار”، وأنتج عنها التلفزيون المصري فيلما توثيقها تحت عنوان “رانجو طرح البحر” من إخراج عرب لطفي.

الموسيقى الأفريقية في قلب القاهرة
الموسيقى الأفريقية في قلب القاهرة

ويقول مؤسس الفرقة زكريا إبراهيم “إن ما تقدّمه الفرقة يندرج تحت مسمى ‘موسيقى اللون’، واللون هو الاسم الذي كان يطلق على المصريين من أصول أفريقية، وهذا النوع من الموسيقى كان قد اندثر تماما، وما تقوم به الفرقة ليس مجرد إحياء تراث محتضر، بل هو بعث لتراث منقرض، فآلة الرانجو على سبيل المثال التي تسمّت الفرقة باسمها لم نعثر منها حين تم تكوين الفرقة سوى على قطعة واحدة فقط لدى شخص مقيم في مدينة الإسكندرية”.

ويهدف مركز المصطبة الذي تقدّم فرقة الرانجو حفلاتها من خلاله إلى الحفاظ على ما تبقى من الموروث الغنائي والموسيقى الشعبية عبر أقاليم مصر المختلفة عن طريق تنظيم حفلات أسبوعية لفرق شعبية من القاهرة ومدن القناة والصعيد والدلتا وسيناء.

ويبدو لافتا أن معظم رواد المركز من جيل الشباب الذين وجدوا في هذه الموسيقى على ما يبدو شيئا مختلفا عمّا تعوّدوا على سماعه من موسيقى وأغنيات، وفرقة الرانجو هي واحدة من عدة فرق شعبية يتبناها مركز المصطبة، إذ يضم المركز حوالي 11 فرقة شعبية، من بينها فرقة “الطنبورة” وفرقة “الرانجو” وفرقة “الجركن البدوية” من شمال سيناء، إلى جانب عدد من الفرق الأخرى التي انضمت إلى المركز بعد تأسيسه، مثل فرقة “الكفافة” من إدفو في جنوب مصر، وفرقة “البرامكة” وهم مجموعة من الأفراد يمتد نسبهم إلى البرامكة في عهد الدولة العباسية.

تراث مدن القناة

بدأ مركز المصطبة نشاطه بفرقة واحدة وهي فرقة الطنبورة المكونة من مجموعة من الفنانين من مدينة بورسعيد، وكان الهدف منذ البداية جمع التراث الخاص بمدن القناة، والبحث عن الأفراد الممارسين لهذه الأغاني في تلك المدن.

وبالفعل تم التوصل إلى عدد من ممارسي هذا النوع من الغناء من الشباب والكبار، والذين مثلوا نواة جيدة لفرقة فنون شعبية، لم تقتصر عروضها على القاهرة ومدن القناة فقط، بل جابت عدة مدن أوروبية وآسيوية أيضا، ومع الوقت تعدّدت الفرق التي يتبناها مركز المصطبة لتزيد عن العشر فرق تقدّم أشكالا مختلفة ومتباينة من الموروث الغنائي.

ويقول الفنان زكريا إبراهيم، مؤسس مركز المصطبة، “إن جميع الفرق المشاركة في مركز المصطبة هي فرق شعبية كانت تعمل في الظل بعيدا عن المؤسسة الثقافية الرسمية، والتي تحوّلت فرقها إلى كيانات معزولة عن بيئتها الشعبية الأصلية، وبدلا من أن تعبّر عن وجدان وتطلعات الشعب أصبحت لا تعبر إلّا عن التوجهات الرسمية، ولا تقدّم عروضها إلّا داخل المسارح والمساحات التابعة للمؤسسة الرسمية، متناسية أن مكانها الطبيعي هو بين الناس في الشوارع والحارات والأزقة والميادين”.

وعن تطلعاته إلى الفترة القادمة، يقول زكرياء إبراهيم “أتمنى أن يعود الاهتمام بالفنون الشعبية داخل المؤسسة الرسمية إلى وضعه الطبيعي كما كان عليه الحال في حقبة عبدالناصر، حين كان الاهتمام منصبا على البحث عن الهوّية المصرية، وفي ظل وجود مشروع قومي واضح المعالم، وهو الأمر الذي تمّ إهماله كثيرا خلال العقود الماضية”.

13