الرباط تعزّز التنمية بنزع فتيل الفساد الاقتصادي

خطط اقتصادية استباقية تهدف إلى مكافحة مظاهر الغش والرشوة في الإدارات والقطاعات الإنتاجية.
السبت 2020/01/18
وضع التنمية على أسس مستدامة

كثفت الرباط من جهود مكافحة مظاهر الفساد بالإعلان عن مقاربة شاملة تمس كافة الدوائر الحكومية والقطاعات الاقتصادية الحساسة وفق قواعد صلبة تنسجم مع رؤية العاهل المغربي الملك محمد السادس في اعتماد نموذج تنموي مستدام يرقى لتطلعات المواطنين.

الرباط - تسعى السلطات المغربية عبر خطط اقتصادية استباقية إلى مكافحة مظاهر الغش والرشوة في الإدارات والقطاعات الإنتاجية بعد أن استفحلت في السنوات الأخيرة، بهدف دعم التنمية الشاملة والمستدامة.

وتولي الرباط أهمية كبيرة لمكافحة الفساد في كافة القطاعات، ويبدو أن الأولوية التي تعطيها الحكومة لهذا الأمر من أسباب تسريع استراتيجيتها لتغيير النموذج الاقتصادي، الذي يقوده العاهل المغربي الملك محمد السادس.

وأكد محمد بشير الراشدي، رئيس الهيئة المغربية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن السلطات اعتمدت خطوات عملية تتمثل في بلورة استراتيجية متكاملة تعتمد على الطاقات المؤسساتية والمجتمعية للنهوض بتطويق هذه المشكلة.

وكشف الراشدي خلال مقابلة مع وكالة الأناضول، أن الهيئة بصدد إرساء أسس مرصد لمتابعة ظاهرة الرشوة وقياسها بشكل موضوعي، وكيفية تمظهرها في حياة المواطنين والقطاعات الاقتصادية.

وقال إن “الفساد يضرب مقومات الديمقراطية وأسس وسيادة دولة القانون وهو السبب الرئيسي في اللامساواة الاجتماعية”.

وأضاف “يترتب عن الفساد انعدام ثقة المواطنين في المؤسسات، بل التشكيك في إرادة وعزم المؤسسات وقدرتها على مكافحة الظاهرة، وتحقيق أهداف التنمية، لأن هناك علاقة وطيدة بين انخفاض مؤشرات الفساد وإمكانات التنمية”.

وكانت الرباط قد أعلنت في مايو 2018 أنها ستطلق مركزا خاصا بمكافحة الرشوة، في محاولة لمحاصرة هذه الظاهرة في الإدارات الحكومية، التي تسيء إلى سمعة البلاد في مختلف التقارير المالية الدولية.

محمد بشير الراشدي: بصدد إرساء أسس مرصد لمتابعة ظاهرة الرشوة وقياسها
محمد بشير الراشدي: بصدد إرساء أسس مرصد لمتابعة ظاهرة الرشوة وقياسها

وقبل 2015، تضمنت البرامج الحكومية إجراءات متفرقة تسعى إلى التقليص من الرشوة قطاعيا، وقد تبين عدم جدوى هذه المقاربة، مما جعل البلاد تعتمد وتنفذ استراتيجية متكاملة بدأ تنفيذها قبل أربعة أعوام.

وقال رئيس الهيئة إن “العام الماضي شهد محطات لتقييم نتائج استراتيجية محاربة الفساد، وتبين أن أسسها متينة، ولها مقومات متعارف عليها دوليا”.

ولكنه أكد أنه من الناحية التنفيذية، كانت هناك ضرورة العمل أكثر على التنسيق بين القطاعات، مما جعل الهيئة تقترح إعادة هيكلة الاستراتيجية، وتقوية وتدقيق مضامينها في اتجاه الانسجام وتحديد الأولويات.

وأضاف “نريد الوصول للنتائج المأمولة سواء تعلق الأمر بالأثر لدى المواطنين أو المستثمرين أو المتداخلين الاقتصاديين وكذلك المؤسسات”.

وأعرب عن أمله بأن تكون سنة 2020 “سنة تحقيق النتائج الأولية والإيجابية، لأن الفترة السابقة اتسمت بالإنجازات، ولكن النتيجة لم تكن في مستوى الجهود المبذولة والتشريعات والإصلاحات المعتمدة”.

ومما يفاقم من خطورة الوضع، يقول الراشدي، هو التطور الكبير الذي عرفته ظاهرة الفساد، حيث تنامت وازدادت تعقيدا، بالنظر إلى التطور التكنولوجي والقنوات المالية، وتعدد منافع المفسدين وطرق اشتغالهم.

ومضى يقول إنه “لا يمكن محاربة الفساد بمجموعة من الإجراءات المتفرقة، لذلك كان هناك تفكير في السنوات الأخيرة في المقاربة الشمولية التي تتبنى استراتيجية متكاملة، فرضت نفسها في مجموعة من الدول”.

واعتبر أن هذه الاستراتيجية المتكاملة تستجيب لإدماج التوعية والتواصل والوقاية، أي يجب تخفيض بؤر الفساد من أجل مواجهة المفسدين من أصحاب النفوذ.

وأدخلت الحكومة السابقة، التي كان يرأسها عبدالإله بن كيران في عام 2017 تعديلات على مرسوم أصدرته يتعلق بإحداث لجنة لمكافحة الفساد بموجبها تم التوسيع في مهام هذه اللجنة وفي تركيبتها.

ورغم عدم وجود بيانات دقيقة بشأن الخسائر التي تتكبدها البلاد جراء الفساد، فإن التقديرات تبرز أن الظاهرة تضيع على البلاد ما يناهز نقطتين مئويتين من الناتج الداخلي الإجمالي سنويا، أي ما يعادل 20 مليار درهم (2.1 مليار دولار).

وبالنظر إلى السياسات الاقتصادية لدعم التنمية المستدامة، فقد حققت الرباط نقلة مهمة عبر تحسين تصنيفها لتقفز بنحو 17 مركزا خلال السنوات الثلاث الأخيرة لتحتل المرتبة 73 من بين 180 دولة، بعدما كانت تحتل المرتبة 90 في العام 2016.

وقال الراشدي إن ذلك “لا يعني أننا في مستوى انتظارات المواطنين والأهداف المحددة في الاستراتيجية، وأن هذا التقدم إيجابي ولكنه غير كاف”.

وأكد أنه ليس هناك تنمية في ظل وجود الفساد، لأن الظاهرة تضرب قواعد الوصول إلى الموارد والتوزيع العادل للثروة، وبالتالي تضرب قدرات أي بلد في استغلال الإمكانات والكفاءات لتحقيق التنمية.

وفي نوفمبر الماضي، قال رئيس الحكومة سعدالدين العثماني خلال انعقاد ندوة دولية بالرباط إن “محاربة الفساد والاحتكار مطالب ملحّة”.

ولفت حينها إلى أن محاربة مختلف أشكال الريع، في إشارة إلى الاستفادة من أموال أو رخص دون مجهود أو دون عمل والاحتكار والفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية، هي مطالب جميع المغاربة لتحقيق أهداف التنمية.

11