الرباط مدينة عناق تاريخ المغرب القديم بالحديث

تختزل مدينة الرباط التاريخ الطويل للمملكة المغربية وتعاقب الحضارات عليها فأصبحت تجذب الزائر بطبيعتها وريفها وشواطئها وثقافتها العريقة، إضافة إلى الخيارات المتعددة في الإقامة وسحر المطبخ المغربي وتوفر السياحة العلاجية بالمياه المعدنية، ففي الرباط يلتقي السياح من العرب والأوروبيين والمهاجرين المغاربة.
الأربعاء 2017/05/10
التاريخ الشامخ يأسر الزوار

من يقصد مدينة الرباط بالمملكة المغربية في زيارته الأولى يندهش من نظافة وهدوء المدينة وسعة طرقاتها وقلة ازدحامها وتوفر الخدمات فيها بأقلّ الأسعار المتداولة عالميا، وقبل كل ذلك سيندهش من محبة أهلها للغرباء وترحيبهم بهم.

يزور الآلاف من السياح من مختلف دول العالم هذه المدينة سنويا، لتميزها بنقاء بيئتها وجمال مناطقها ومواقعها الأثرية الممتدة في عمق التاريخ. فلا تزال شواهد الدولة الرومانية شاخصة للعيان.

ولا تزال آثار من عاشوا على ترابها، وتركوا قلاعا وبنايات وحمامات ومسارح وساحات عامة ومدارس ومعابد وجوامع تدهش الناظرين بجمالها العمراني والفني.

يتنقل الزائر بين قلاع الرباط القديمة كقلعة شالة من العهد الروماني، والوداية، والسور الموحدي الذي أقامه يعقوب المنصور (1160 ــ 1199) ويمتد من غرب الرباط إلى جنوبها.

تذكر ليلى الأحرش الباحثة في جمعية ذاكرة الرباط لـ “العرب” “أن اليونسكو سجلت الرباط القديمة عام 2012 ضمن قائمة التراث العالمي. أسّسها الموحدون في أواسط القرن الحادي عشر الميلادي. وبنى فيها الخليفة عبدالمؤمن الكومي مركز المدينة وسماه رباط الفتح”.

لذلك فهي وجهة مفضلة للزوار من محبي المدن العتيقة، لما تضمه من معالم تاريخية قديمة وحديثة.

ومن أبرز معالمها التي تأسر الزوار صومعة حسان والمدينة العتيقة والوداية والسور الموحدي والمتحف الأثري بالرباط، الذي يعود افتتاحه إلى الثلاثينات من القرن الماضي، بالإضافة إلى قلعة شالة.

قلعة شالة تروى حكايات غريبة عن الأسماك السحرية

قلعة شالة

توضح ليلى الأحرش “قلعة شالة الشهيرة أقامها الرومان على تل مرتفع يطل على نهر أبي رقراق. ومعظم الزوار يقصدونها لزيارة الآثار الرومانية فيها، وحماماتها وآثار مدرستها الإسلامية.

وتجذبهم رؤية قبر الأميرة الإنكليزية التي تزوجها أحد سلاطين المغرب، وأعلنت إسلامها، وأنجبت سلاطين حكموا البلاد. وبعضهم يزور العين السحرية التي تجلب الحظ لمن يلقي فيها نقودا ويتمنى أن يحقق الله أمنيته. ويعتقد البعض أنَّ الاستحمام في مياهها يشفي العديد من الأمراض”.

وتضيف “استخدمت مياه العين في القرون الوسطى لوضوء الصوفيين الذين سكنوا القلعة. وربما جاءت حكايات شفاء المرضى وجلب الحظ من إيمان الناس بتقوى الصوفيين.

وتروى الكثير من الحكايات الغريبة عن الأسماك السحرية التي توجد في مياه العين ويعتبرها البعض من الجنيات اللائي سكنّ القلعة منذ المئات من السنين، يظهرن في ليال معينة لمن يبيت قريبا من العين”.

في قلعة شالة تدهشك الآثار الكثيرة التي من بينها أمكنة عزلة الصوفيين للعبادة، وقبورهم المزخرفة بآيات القرآن الكريم، وسيرتهم، وأغلبهم ممن عاشوا في القرن العاشر الهجري.

وللرباط جو معتدل صيفا وشتاء، وله ساحل ممتد على المحيط يتحوّل في منطقة الوداية إلى إطلالة جميلة على سحره وروعته، فالوداية اُنشئت على تل مرتفع لتكون حصنا منيعا يطل منه أهله على جمال المحيط ولتطربهم أصوات أمواجه المتكسرة على الساحل.

تاريخها يجذب السياح من كافة أنحاء العالم

ويقول منصور الرحال، وهو مرشد سياحي “الكثير من الزوار الذين أصطحبهم ومعهم أطفالهم، يطلبون مني زيارة حديقة الحيوانات بالرباط. وفي هذه الحديقة يوجد أكثر من 1200 حيوان، كالأسود والنمور والفيلة والطيور بمختلف أنواعها والقردة وغير ذلك.

ويمكن للزائرين أن يقضوا فيها يوما ممتعا، فهي تتوفر على مطاعم ومقاه ومتاجر للتبضع. والحقيقة أنَّ زيارة هذه الحديقة، التي تقع قريبا من أسواق المنال الشعبية، تتيح للسائح فسحة ممتعة للأطفال، وفسحة تسوق للكبار، لما توفره الأسواق من بضائع جيدة وبأسعار معقولة”.

ويضيف الرحال “توجد في المدينة فنادق جيدة وممتازة، وأسعارها مدروسة حسب إمكانيات السائح المادية، إذ توجد فنادق من فئة خمس نجوم توفر الراحة للسائحين، وتقع وسط المدينة، كفنادق السوفيتيل ولاتور حسن والرباط، كما توجد أخرى ذات أربع نجوم كتيريمنوس وبيليغ الرباط وأتلانتك. وتوجد فنادق من فئة ثلاث نجوم، كملك ومبيت وأفاتار الرباط ودي أودييس ولابييتري.

وكذلك يوجد مسرح محمد الخامس الذي تقام على خشبته أمسيات فنية موسيقية وغنائية وأوبرالية ومسرحيات. وتوجد أكثر من ثلاث قاعات للرسم الحديث، وتضم الرباط متحف الفن الحديث الذي افتتح في العام 2014 ويعرض معظم أعمال الفنانين المغاربة والأجانب المشهورين”.

ويقول المرشد السياحي “ومن مطاعم الرباط التي تقدم أشهى الطبخات المغربية والأفريقية والنباتية، أذكر الشمعدان ودار ناجي ورياض القلعة ومطعم طاجين. إضافة إلى المطاعم السياحية، فهناك مطاعم شواء شعبية مشهورة بتقديم الكفتة الرباطية الشهيرة والكسكسي باللحم والدجاج ولحم الضأن المبخر، وبسطيلة الحوت (السمك) في السويقة والوداية ومنطقة العرجات الواقعة في ضواحي الرباط. والحقيقة أن أكثر من زائر قد مدح الأطعمة التي تناولها في الرباط، وأكد أنَّه لن ينسى مذاقها الطيب حتى آخر العمر”.

وجمعت مدينة الرباط بين الماضي الذي يثير في المخيلة حكايات أمراء وملوك وسلاطين ومفكرين وقادة وصوفيين، وحاضر حديث مزوّد بكل تقنياته العصرية، وما وفرته الحداثة من وسائل راحة وعيش رغد.

مطاعم الرباط الشعبية تقدم الكفتة الشهيرة، والكسكسي باللحم والدجاج، ولحم الضأن المبخر، وبسطيلة السمك

عيون إستشفائية

صارت المدينة في السنوات الأخيرة مقصدا للباحثين عن علاج لأمراض الكثير من رعايا الدول الأفريقية، خصوصا من موريتانيا والنيجر والسنغال وغيرها. كما توجد في ضواحي المدينة الكثير من العيون الساخنة والباردة الاستشفائية التي يؤمها السائحون لغرض الاستحمام للشفاء من أمراض تعالجها تلك العيون، لما عرف عنها من توفر مياهها على الكبريت والأملاح المعدنية بنسبة كبيرة ولها قدرة على بعث الراحة والنشاط في مستحميها.

وتزخر المدينة أيضا بمناطق ريفية غاية في الجمال والهدوء كعين العودة (27 كم جنوبي الرباط)، وتمارة (6 كم جنوبي الرباط) وهي عيون تعتبر من مناطق الحزام الأخضر للرباط. كما نجد الهرهورة وتبعد حوالي 3 كم عن مركز المدينة، وتطل على المحيط الأطلسي، وتتوفر فيها شاليهات زهيدة الثمن طيلة موسم الاصطياف.

مدينة التسامح

من مميزات الرباط أنَّها لا تعاني ما تعانيه عواصم دول أخرى من اختناقات مرورية وازدحام وغلاء أسعار الفنادق والمطاعم.

وبالرغم من أنَّها المدينة الثانية في المملكة بعد الدار البيضاء إلا أنها لا تزال تحتفظ بروح الريف، ومزايا المدن الإدارية.

ومن صفاتها الحميدة أن أغلب سكانها من الموظفين، فهي تضم أغلب وزارات وإدارات المملكة، لذلك فقد اتسم أهلها بروح التسامح.

تجد في الرباط الجامع إلى جوار الكنيسة، وتجد فيها محلات اللهو كالمسارح ودور العرض السينمائية والملاهي والمراقص إلى جوار أماكن العبادة.

وتضم المدينة منذ نشأتها أتباع الديانات التوحيدية الثلاث (اليهودية والمسيحية والإسلام). كما توجد مقابر أتباع هذه الديانات متجاورة قريبا من منطقة العكاري بالرباط.

يوسف المريني يعمل في المكتب السياحي المغربي، يقول لـ “العرب” “يعمل في قطاع السياحة المغربية أكثر من 600 ألف من القطاع الحكومي والخاص، لذلك فالموارد الاقتصادية للبلاد من السياحة مهمّة. والموسم السياحي لهذا العام يبشر بالخير، كما العام الماضي.

مدينة تنفرد بجمالها

وسجل مرصد السياحة في نشرته السنوية، أنَّ 9.5 ملايين سائح زاروا المملكة في العام 2016، 6 بالمئة منهم زاروا الرباط أي نحو 570 ألف زائر، أمضوا فيها عدة أيام. ويتوقع أن يزور المدينة هذا العام سواء من السائحين الأجانب أومن المغاربة العائدين إلى وطنهم من الخارج لقضاء فترة الصيف، أكثر من مليون زائر.

سعيد المنصوري 55 سنة زائر من فرنسا من أصول مغربية، يقضي معظم فصل الصيف مع عائلته بمدينة الرباط يقول “اشتريت منذ سنتين شقة في منطقة فاديسا المطلة على نهر أبي رقراق ووداية.

أقضي مع عائلتي أشهر الصيف في الرباط، وقد اخترت المدينة لهدوئها وتوفر كافة متطلبات الراحة فيها، من سواحل نظيفة على المحيط، وأسعار معتدلة للخدمات، وتوفر المطاعم الممتازة والبنية التحتية المطلوبة.

هذه الصفات الجيدة لا تحجب البعض من السلبيات، إذ توجد أمور لا تزال أقل من الطموح، فمثلا، وللأسف، لا تزال البعض من المطاعم تشغل عمالا لم يحصلوا على قسط وافر من التعليم، وهذا يضر بالسياحة كثيرا، لأن مجال السياحة أصبح من المجالات الاقتصاديّة المهمة التي يجب أن يعمل فيها من تعلم الخدمات السياحية وفنونها على أسس علمية سليمة”.

وحين يقصد السائح منطقة الوداية منطلقا من نهر أبي قراق بزورق، فإنه سيرى من بعيد أسوارها التاريخية وبناياتها البيضاء الجميلة.

وعند منطقة التقاء النهر بالمحيط تنتشر زوارق رياضية، وأخرى شراعية يكتريها السياح لممارسة هواياتهم بالتجديف لمسافات طويلة.

وسيرى الزائر للمدينة العتيقة آثار القرن السابع عشر الميلادي في كل ركن منها، وستسحره بأسوارها ومبانيها. وسيرى ما خلّف التاريخ من آثار ومدافع وهياكل، وكذلك السفن والقوارب القديمة التي تطل على المحيط.

20