الربح التجاري يحكم تعامل السينما المصرية مع التحرش الجنسي

فيلم عن أزمة اللاعب المصري عمرو وردة يفتح سجالا حول معالجة العنف ضد المرأة.
الاثنين 2019/07/08
فيلم "678" معالجة مغايرة لقضية التحرش الجنسي

تفاعل الإنتاج السينمائي المصري سريعا مع أزمة التحرش المتهم فيها عمرو وردة لاعب المنتخب الوطني المصري لكرة القدم، بالإعلان عن إنتاج فيلم جديد عن العنف الجنسي ضد المرأة، يهدف إلى استثمار الرفض المجتمعي للسلوك المشين لبعض المشاهير من الرياضيين وعدم خضوعهم للعقاب الرادع الذي يمنع معاودة الاعتداء على المرأة لفظيا أو بدنيا. وهي محاولة جديدة لجذب الجمهور إلى شباك التذاكر.

القاهرة – أعلن المخرج والمنتج محمد دياب عن تقديم فيلم جديد يتناول سلوك التحرش الجنسي في خضم أزمة اتهام لاعبين مصريين بالتحرش بعارضة أزياء، واستبعاد اللاعب عمرو وردة من المنتخب الوطني الذي خاض بطولة كأس أمم أفريقيا الحالية، بعد تداول مقطع فاضح مع فتاة مكسيكية، قبل إعادته مجددا إلى المنتخب بدعم من زملائه.

وأثار الإعلان عن المشروع الفني جدلا بعد وصف منتجه للفريق المصري بـ”منتخب المتحرّشين”، وتهديده بتخطي مرحلة التلميح لوردة في العمل ووضع اسمه صراحة مع لاعبين كبار ساهموا في عودته إلى الفريق.

وأوضح الناقد الفني إلهامي سمير لـ”العرب”، أن الأفلام التي تتبنى قضايا مثل التحرش هدفها لفت أنظار المجتمع إلى وجود مشكلة وليس تقديم حلول، لكنها تتعرض للظلم في شباك التذاكر من قبل الجمهور بسبب تصنيفها كأعمال مهرجانات هدفها حصد الجوائز.

ولدى كاتب السيناريو الحرية في رؤيته السينمائية دون أن يتخطى رسالته إلى التشهير بأسماء حقيقية متهمة في وقائع لم تصدر فيها أحكام قضائية، وأي عمل سينمائي يتطرق للتحرش في كرة القدم لا يجب أن يتخطى المؤلف دوره إلى الناشط السياسي والمطالبة بتشجيع الفريق المنافس لتوصيل رسالات أخلاقية.

وأضاف سمير أن إنتاج فيلم جديد عن تحرش لاعبي كرة القدم يبطل التعاطف التقليدي المعتاد إزاء المتهم وربطه بمشكلة اقتصادية اجتماعية.

وجعلت اللغة التي استخدمها اللاعب وردة قضيته مادة خصبة للتحليل، وربما محركا لأعمال سينمائية أخرى بترديده مقولة “كل البنات عاهرات زيك (مثلك)” في حديثه مع عارضة أزياء مصرية تحرش بها أيضا، أو مطالبته لأخرى في أول المحادثة بالسفر إلى اليونان (حيث يلعب) للقائه، ما يؤكد احتياجه للعلاج النفسي وإعادة التأهيل لتقويم سلوكه.

سينما التحرش

تناولت السينما الاعتداء اللفظي والبدني على المرأة بشكل صريح منذ فترة في خضم سلسلة من حوادث الاعتداءات على فتيات، بينها تعرض فتاة بحي المعادي الراقي في جنوب القاهرة للانتهاك الجسدي على يد أربعة من عمال البناء، واختطاف سبعة رجال لسيدة من زوجها في منطقة إمبابة بالجيزة، ثم اعتدوا عليها.

وتنافس على شباك التذاكر حينها فيلم بعنوان “المغتصبون”، وآخر بعنوان “اغتصاب”، لكنهما لم يقدما تحليلا للمشكلة ودوافعها وعلاجها.

إلهامي سمير: الأفلام التي تتبنى قضايا التحرش تطرح المشكلة وليس الحلول
إلهامي سمير: الأفلام التي تتبنى قضايا التحرش تطرح المشكلة وليس الحلول

واقتصر تناول التحرش قبل ذلك على مشاهد قليلة، كما حدث في حافلة للنقل الجماعي في فيلم “دموع في ليلة الزفاف”، و”بين السما والأرض”، وغلب الإطار الكوميدي على معظمها دون اهتمام حقيقي بقضية المرأة حتى أن الفنان الشهير عادل إمام في فيلم “ليلة شتاء دافئة” تطوع لإنقاذ سيدة من التحرش لمجرد أن صوت المُتحرش يمنعه من قراءة الصحيفة.

ويقول الناقد الفني أحمد سعد، لـ”العرب”، إن تعاطي السينما مع قضايا التحرش يرتبط بحادثة مثيرة للجدل تنشرها الصحف ويتبناها كاتب السيناريو، ويضع لها معالجة درامية تكسبها المزيد من السخونة، ويتم التركيز على مقاطع جنسية تجذب شرائح من الجمهور.

واتسم تناول السينما للاعتداء على المرأة لفظيا أو بدنيا بتبني أفكار ذكورية تضعها في خانة المتهم دائما بتشجيع المتحرشين.

قدم محمد دياب منذ تسع سنوات معالجة مغايرة للمألوف في فيلم “678”، الذي استقى اسمه من أرقام الحافلات المتجهة للمناطق الشعبية بالقاهرة، واعتمدت رؤيته على قصص حقيقية لثلاث فتيات يمثلن شرائح ثقافية واقتصادية متباينة تعرّضن للتحرش في مواقف مختلفة وكيفية تعامل المجتمع معهنّ.

وتواجه القائمين على صناعة أفلام تتناول قضايا العنف الجنسي معضلة توصيل الفكرة دون الوقوع في فخ الإفراط الجنسي أو اللفظي، والأمر محكوم بمدى الرغبة في إحداث تغيير في سلوك المشاهدين إزاء قضايا المرأة.

تهم جاهزة

لا يخلو الأمر من إمكانية الوقوع في فخ المشكلات القانونية بتهم عريضة مثل “الإساءة للمجتمع” أمام الخارج أو منح الفرصة للمنظمات النسوية الدولية للانخراط في الشأن الداخلي، وتصل أحيانا إلى الاتهام بإضرار الاقتصاد وإشاعة صورة ذهنية تضر بالمقاصد السياحية.

وأكد الناقد أحمد سعد، أن كاتب السيناريو الذي يتناول قضايا التحرش تحكمه محددات في تناول القصة بينها درجة وعي الجمهور وثقافته، ففي مجتمعات تنتشر فيها الأمية لا يستخلص الجمهور رسالة الفيلم بسهولة ويقع في فخ تكرار السلوك المشين بدلا من مقاومته أو تغييره، وقد يتعرض لاتهامات من البعض بإلقاء الزيت على النار بدلا من الإطفاء.

وساهمت بعض الأعمال السينمائية في منح تربة خصبة للتحرش مثل “كابتن هيما” لتامر حسني الذي تضمن أغنية “فيديو كليب” بعنوان “أجمل حاجة بحبها فيكي” تتضمن إيحاءات جنسية صريحة، وفيلم “بنات وسط البلد” لهند صبري ومنة شلبي الذي ركز مخرجه على مناطق جسدية للبطلتين مصحوبة بتعليقات من أبطاله الرجال.

وتركز السينما المصرية على أساليب التحرش بالقول أو الإشارات التي تتضمن حركات العين والوجه أو جسديا بالملامسة، دون الاهتمام ببيئة وقوعه في العمل والأماكن العامة أو داخل الأسرة ذاتها، ويتم لصقه بفئات اجتماعية فقيرة ونفيه عن طبقات أرقى تمتلك القدرة على شراء كل شيء بما في ذلك البشر أنفسهم.

كما لم تولِ اهتماما كثيرا بالسياقات التي تتم فيها ظاهرة التحرش المتفشية وفقا لإحصائيات رسمية ومدى ارتباطها بالفقر والبطالة وعجز الشباب عن الزواج، والتفكك الأسري، ويرتبط إنتاجها بحادثة عنيفة من المتحرش تدفع المنتجين للعمل عليها وتختفي القضية بعدها.

قدمت بعض الأعمال السينمائية التحرش في صورة كوميدية منحت المتحرشين صفات شكلية معينة كامتلاك شارب وملامح خشنة مثل فيلم “رغدة متوحشة” لرامز جلال، وهو الخطأ ذاته الذي ارتكبته بعض وسائل الإعلام.

ويؤكد سينمائيون أن فضح قضايا العنف الجسدي ضد المرأة، هو الرسالة الأساسية التي يجب توصيلها لتشجيع السيدات على كسر القيود المجتمعية وعدم الاكتفاء بالصمت إزاء قضايا التحرش الجنسي.

ويرى البعض من النقاد أن الرؤية الفنية لا تزال قاصرة ولا تخوض في الأبعاد النفسية لمرتكب الفعل كسلوك مرضي يحتاج  إلى تأهيل نفسي، وتتجنب التطرق إلى ارتباطه بمشكلات البطالة والفقر والعنوسة، وتعلي من اللقطات الجنسية على الجانب الدرامي المتعلق بالحبكة.

وتضمنت أعمال فنانين كبار، مثل عادل إمام، وقائع للتحرش اللفظي في غالبية أعمالهم السينمائية رغم أنها لا ترتبط بالسياق الدرامي أو بطبيعة الأحداث، كضرب الممثلات على مناطق حساسة، لكن بعض كتاب السيناريو يقولون إنها ضرورية أحيانا لإكمال الصورة الذهنية عن شيء معين.

وتحكم علاقة السينما بقضية التحرش الجنسي محركات عديدة تتراوح بين أهداف القائمين على الصناعة والمزاج العام للجمهور، ووقوع حوادث عنيفة تشغل الساحة الإعلامية والرأي العام، لتلعب أدوارا متباينة بين المتهم والضحية في وقت واحد.

17