الربوتات النانوية ثورة قادمة لتغيير نمط حياة المرضى

الروبوتات النانوية ستكون جزءا من جسم الإنسان بحلول 2030، وسيتم توجيهها بأعداد كبيرة بواسطة جهاز كمبيوتر للقيام بوظائف متعددة، وإصلاح أي عطب قد يطرأ على أجسادنا.
الاثنين 2018/07/30
هل تصبح الأمراض المزمنة شيئا من الماضي

يسعى العلماء إلى تحقيق طفرة كبيرة في علاج الأمراض المزمنة بالاستعانة بالروبوتات النانوية، في ظل مخاوف من توجيه هذه التقنيات المتطورة للتحكم في البشر مستقبلا أو أن تتسبب الجزيئات النانوية غير القابلة للتحلل داخل الجسم في إحداث نتائج عكسية.

بدأ مصطلح “الروبوتات النانوية” يطفو إلى سطح المشهد الطبي في السنوات الأخيرة، ليفتح باب الأمل أمام علاج الكثير من الأمراض المزمنة والمستعصية، ويشير هذا المصطلح إلى تقنية جديدة أثبتت نجاعتها في التجارب الأولية التي أجريت على الحيوانات، وتمثل ذروة نتائج استخدام النانو تكنولوجي (تكنولوجيا غاية في الصغر والدقة) في المجال الطبي، وقد تفسح المجال واسعا أمام علاج الأمراض المزمنة والقضاء عليها.

حاليا يعكف علماء الهندسة الوراثية والبيولوجيا الجزيئية في المخابر على تطوير روبوتات متناهية الصغر لتسبح في الجسم البشري، بهدف تقديم الدواء للخلايا المريضة ومقاومة الأورام الخبيثة. ورغم أن هذه التقنية لا تزال في المهد، إلا أن العلماء يحدوهم أمل كبير في أن تحدث تغييرا ثوريا في عالم الصحة والطب، فما الذي سيجري مستقبلا داخل أجسام البشر إذا غزتها هذه الآلات الجزيئية؟

يرى رايموند كيروزيل، مدير الهندسة في شركة غوغل، أن الروبوتات النانوية ستكون جزءا من جسم الإنسان بحلول 2030، وسيتم توجيهها بأعداد كبيرة بواسطة جهاز كمبيوتر للقيام بوظائف متعددة، وإصلاح أي عطب قد يطرأ على أجسادنا.

قد تبدو هذه الأفكار بالنسبة إلى البعض غير واقعية إلى حد كبير، بل وأشبه بأفلام الخيال العلمي، لكن التغيرات السريعة في العلم والتكنولوجيا، التي اكتسحت حياة البشر بشكل مذهل، جعلت من الممكن التكهن بطبيعة وخصوصيات المرحلة القادمة.

ربما يستغرق الأمر سنوات قبل أن يتضح أمر هذه التكنولوجيا الواعدة، لكن من المؤكد أن العلماء يعملون حاليا جاهدين على جعلها أمرا واقعيا. وقام علماء في جامعة أريزونا والمركز الوطني الصيني للعلوم النانوية، مؤخرا، باختبار روبوت يحمل إنزيم تخثر الدم (الثرومبين)، وهو إنزيم يمنع تدفق الدم إلى الخلايا السرطانية، ما يؤدي إلى تلف أنسجتها ثم موتها. وقد أثبتت التجربة نجاحها، وأدت إلى تقلص الخلايا السرطانية لدى الفئران والخنازير.

رغم التحديات الحالية ستظل تكنولوجيا الروبوتات النانوية ضمن الطموحات التي يعلق عليها العلماء الكثير من الآمال، ومن المرجح أن يتكئ عليها قطاع الطب مستقبلا
رغم التحديات ستظل تكنولوجيا الروبوتات النانوية ضمن الطموحات التي يعلق عليها العلماء الكثير من الآمال، ومن المرجح أن يتكئ عليها قطاع الطب مستقبلا

وفي تجربة أخرى فريدة من نوعها، قام علماء في معهد ليبنتز بمدينة درسدن الألمانية (أي.أف.دبليو) بتصميم روبوتات نانوية رباعية الأرجل، وبأجسام أنبوبية مكسوة بالحديد، ووضعوا داخلها حيوانات منوية محملة بأدوية كيميائية لعلاج السرطان (تعمل الحيوانات المنوية كمحركات لهذه الروبوتات)، وقاموا بتوجيهها بواسطة مغناطيس دوار على بعد عشرة سنتيمترات من الخلايا السرطانية، وعند وصولها أطلق الزناد الميكانيكي الحيوانات المنوية من رباعيات الأرجل فاندمجت مع الخلايا السرطانية، وأثبتت التجربة تقلص الخلايا السرطانية بنسبة 40 بالمئة، ويرجح العلماء أن هذه التجربة ستمهد الطريق للقضاء على سرطان عنق الرحم وأمراض نسائية أخرى.

هناك أسباب وجيهة جعلت من مشروع  تطوير الروبوتات النانوية “المقاومة للسرطان” تستحوذ على اهتمام العلماء، فالعلاجات الحالية سواء عن طريق الإشعاع أو بواسطة العلاج الكيميائي لا تميز بين الخلايا السليمة والخلايا السرطانية. وفي المقابل تستهدف الروبوتات خلايا الأورام استهدافا دقيقا، وتقدم الدواء بجرعات مضبوطة، مما يجنب المريض الأعراض الجانبية التي تخلّفها لأدوية ويساعده على التعافي بطرق ناجعة.

وإرسال جسيمات دقيقة الحجم في جسم الإنسان هو عبارة عن محاكاة لتجربة إرسال مسابير فضائية في كون لا متناهٍ، وهو ما سيجعل من دقة تصميمها وتوجيهها تحديا كبيرا للمهندسين والعلماء، فالروبوتات البطيئة ليس باستطاعتها تحقيق النتائج المرجوة وليس من المجدي الاعتماد عليها في التطبيقات السريرية، والتحدي القائم أمام العلماء هو محاولة تطوير روبوتات مجهرية فعالة، لاستهداف علاج الخلايا السرطانية مع ترك الخلايا السليمة دون أن يلحقها أذى.

هناك تصور متزايد في الوسط العلمي، مفاده أن تلك الآلات المجهرية ستتجاوز فكرة مقاومة مرض السرطان في المستقبل، لتتخذ وظائف متعددة، ربما تكوّن مناعة اصطناعية تحاكي المناعة الطبيعية للإنسان وتعززها، وقد تضم في حقبة ما أجهزة استشعار نانوية تقوم بفحص وتشخيص مبكر للخلايا، وبذلك يمكن ليس فقط القضاء على الأمراض، بل إلغاء الأسباب المؤدية إليها وربما الحد أيضا من آثار تقدم العمر.

وتوقع جون مكنمارا -مخترع بارز في مركز “أي.بي.أم هورسلي للابتكار”- أن الجزيئات النانوية التي ستزرع مستقبلا في جسم الإنسان، ستقدم فوائد طبية عظيمة، تتمثل في إصلاح الخلايا والأعضاء التالفة، وعندما تصبح هذه التكنولوجيا مزروعة في الإنسان وفي محيطه قد تسمح له بالتحكم في بيئته بأفكاره وحركاته.

ويرجح جيمس فراند -أستاذ الهندسة الميكانيكية في جامعة كاليفورنيا- إمكانية أن تُستخدم تكنولوجيا النانو الطبية  بفاعلية في الدماغ لمنع نوبات الصرع، في حين يعتقد نيكولاس نيجروبنتي -مؤسس مختبر الميديا بمعهد مساتشوستس للتقنية- أن تقنية النانو روبوت يمكن أن تكون وسيلة واعدة لعلاج سرطانات الدماغ. لكن بعض علماء الأعصاب يعتبرون الروبوتات النانوية الدماغية صعبة المنال، فرغم تقدم الأبحاث لا يزال الدماغ لغزا محيرا وليس من السهل سبر جميع أغواره.

لكن رغم جميع التحديات الحالية ستظل تكنولوجيا الروبوتات النانوية ضمن الطموحات التي يعلق عليها العلماء الكثير من الآمال، ومن المرجح أن يتكئ عليها قطاع الطب بأكمله في المستقبل، فالعلماء يتوقعون أن تحقق طفرة كبيرة في علاج الأمراض المزمنة، وبالتوازي مع أحلامهم المعلقة على هذه التقنية لا يمكن التغاضي عن المخاوف بشأن تجمع الجزيئات النانوية غير القابلة للتحلل في الجسم، والتي قد تتفاعل مع العمليات الحيوية لخلايا الجسم، ما يفضي إلى نتائج عكسية.

يمكن أن تثير هذه التقنية أيضا قضايا أخلاقية، فمن المحتمل استغلالها في صناعة أسلحة بيولوجية تدمر حياة البشر بدل أن تنفعهم، بالإضافة إلى ذلك فإن حقن النانو المستقبلية قد تكون باهظة الثمن، وبالتالي لن يحصل عليها إلا الصفوة من الأثرياء، وبذلك ستساهم هذه التقنية في تعزيز الطبقية رغم أن “الصحة للجميع”، ومن المؤسف ألا يتحقق هذا الشعار الجميل على أرض الواقع.

12