الربيع الإسلامي وطن الإرهاب عبر الحركات المتشددة

يعتبر العديد من الباحثين والمتابعين للحركات الإسلامية أن تيار أنصار الشريعة في تونس لم يكن ليجد تلك القاعدة من التأييد الواسع من الأنصار لولا وصول حركة النهضة إلى السلطة وتغاضيها عن نشاط هذا التيار الذي أعلن أن تونس ليست أرض جهاد بل أرض دعوة لينقلب هذا الرأي وتصبح عملياته الإرهابية مهددة لأمن تونس ومواطنيها.
الاثنين 2015/08/17
غاية أنصار الشريعة تأسيس مشروع سياسي لدولة دينية

تونس - اقتصرت تحركات تنظيم “أنصار الشريعة” على تركيز الهياكل التنظيمية في عدد من المدن، فكان الوجود مكثفا في محافظات الجنوب (وهي المناطق التي انحدر منها معظم القادة التاريخيين لحركة النهضة مثل راشد الغنوشي، وعلي العريض، والحبيب اللوز..)، وفي ولايات الوسط الغربي (القيروان، القصرين، سيدي بوزيد، والشمال الغربي مثل جندوبة). وفي ولايات الشمال مثل بنزرت التي ينحدر منها أبو عياض زعيم التنظيم.

وما انفك أبو عياض يردد مقولته الشهيرة بأن “تونس أرض دعوة لا أرض جهاد”، واعتبرها بعض المحللين عملية تمويهية لتمكين أنصار الشريعة من تركيز هياكله.

ويرى بعض المحللين أن أبا عياض الذي كان منتميا إلى جماعة الغنوشي، سابقا، يدرك أن حوالي نصف قواعد حركة النهضة قريبون أيديولوجيا من الفكر السلفي، وبالتالي يصبح دعم حركة النهضة انتخابيا أمرا مقبولا.

فتح نجاح حركة النهضة في انتخابات أكتوبر 2011 الباب أمام “أنصار الشريعة” للتحرك بشكل مريح. واللافت للنظر أن “أنصار الشريعة” كان يقوم بنشاطاته دون الحصول على ترخيص قانوني لعمله. وقد طلب بعض مسؤولي الحكومة التابعين لحركة النهضة من “أنصار الشريعة” التقدم بمطلب ترخيص لتكوين جمعية لهم على غرار الجمعيات السلفية، لكنّ أبا عياض كان دائما يرفض بدعوى أنه لا يجوز شرعا التوجه إلى حكومة لا تطبق الشريعة لطلب ترخيص قانوني للنشاط منها.

الأشهر الستة الأولى لسنة 2012 شهدت عمليات عنف ضد رموز المجتمع المدني من مثقفين وسياسيين بتونس، وكانت أصابع الاتهام موجهة إلى تنظيم “أنصار الشريعة” بأنه وراء عملية تعنيف هؤلاء الرموز. وتحدثت بعض الصحف عن سعي تيار “أنصار الشريعة” لإحداث إمارات إسلامية وذكرت أن من بينها إمارة سجنان (تابعة لمحافظة بنزرت بشمال البلاد التي ينتمي إليها أبو عياض). والجدير بالذكر أن عمليات الاعتداء التي كان يقوم بها أتباع “أنصار الشريعة” كانت تنتهي في أغلب الأحيان بالإفلات من العقاب مما اعتبره البعض تواطؤا من أطراف مسؤولة في الحكومة التي تترأسها حركة النهضة مع هذا التيار.

مطالب أنصار الشريعة في تونس بداية مشروع لتسييس السلفية الجهادية وإعطائها طابعا سياسيا

ولقد شهدت سنة 2012 حركية كبيرة في تسفير الجهاديين التونسيين نحو سوريا، وتُعتبر جماعة أنصار الشريعة أحد الأطراف النشيطة في هذا التجنيد. وبالإضافة إلى ذلك، تحدثت العديد من التقارير عن أن تنظيم أنصار الشريعة استفاد كثيرا سنة 2012 من التعامل مع شبكة من المهربين.

كما تُعتبر سنة 2012 مهمة أيضا بالنسبة إلى “أنصار الشريعة” وبالنسبة إلى أبي عياض، ففي هذه السنة قام “أنصار الشريعة” باجتماع عام كبير في 20 مايو 2012 حشد فيه أبو عياض ما بين خمسة أو ستة آلاف مشارك. وقد لوحظ من بين المشاركين تيار السلفية الجهادية، وهو الأوفر عددا ويصل عددهم إلى حوالي أربعة آلاف، أما البقية فكانوا من تيار السلفية العلمية. كما سُجل حضور بعض ممثلي تيار الإسلام السياسي الجهوي المنتمين إلى حركة النهضة في هذا الاحتفال.

وقد رُفعت في هذا الاجتماع شعارات من بينها “كلنا أسامة بن لادن”، وشعارات أخرى متطرفة، مما اضطر أحد وزراء النهضة إلى انتقاد ما حصل في هذا الاجتماع، لكن الحكومة لم تتخذ إجراءات في حق المنظمين لهذا الاجتماع.

وتضمن خطاب أبي عياض في هذا الحشد الكبير بمدينة القيروان يوم 20 مايو 2012 توجها لمشروع سياسي لدولة دينية، حيث أكد في هذا الاجتماع أن تونس أرض دعوة لا أرض جهاد، ويرى العديد من الباحثين أن هذا الموقف لا يتعارض مع تعليمات أيمن الظواهري بعد قيام ثورات الربيع العربي.

كما أكد أبو عياض أن لا أحد يستطيع أن يفرق بين جماعته وحركة النهضة. وتحدث في هذا الاجتماع عن تعليم إسلامي يمنع الاختلاط بين الجنسين، كما تحدث عن سياحة إسلامية تستقطب الجاليات الإسلامية في أوروبا، لتجنب مظاهر التفسخ لدى السياح الأجانب حسب تصوره.

كما تحدث عن وجوب قيام بنوك إسلامية تُعوّض البنوك الربوية، ودعا إلى نظام مالي وجبائي إسلامي، كما دعا إلى إصلاحات في القطاع الصحي بإنشاء مصحات تمنع الاختلاط بين النساء والرجال.وتُعتبر هذه المطالب بداية لتسييس السلفية الجهادية وإعطائها طابعا سياسيا، وهو ما نلمسه في حزب النور السلفي في مصر.

ما لم يقله أبو عياض في اجتماعه فهو كيف سيتم تنفيذ هذه المطالب؟ هل يكون عبر وسائل سلمية أم يتم فرضها بالقوة؟ ويعتقد العديد من الباحثين أن عدم توضيح آليات تنفيذ برنامج أبي عياض الوارد في خطابه في اجتماع القيروان في 20 مايو 2012، هو إشارة إلى أن تنظيم أنصار الشريعة يرى أن تطبيق هذه الأفكار لا يتم عبر الآليات الديمقراطية، ذلك أن أنصار الشريعة لا يؤمن بالخيار الديمقراطي الذي يعتبره متعارضا مع الشريعة، باعتبار أن الديمقراطية اعتداء على حاكمية الله.

13