الربيع العربي أو فرصة أن نكون مملكة لا تغيب عنها الشمس

الجمعة 2016/07/15

الربيع العربي يمكن أن يتحول إلى نقطة قوة عالمية جديدة، تغير معطيات الواقع المعقد نحو تبسيط أكثر للحياة، اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا. إذ يمكن أن يقود العرب هذا التغيير العالمي بالتقاط اللحظة التاريخية الحالية التي يمرون بها وشحنها بتركيز إنساني تمتلكه الرقعة الجغرافية الكبرى الممتدة من نواكشوط إلى بغداد، كأنها أيديولوجية قابلة للرواج عالميا لأنها تحمل قيما كونية حقيقية تتلخص في تلك الشعارات التي رفعها التونسيون والمصريون والسوريون (في بداية حراكهم) من أجل الكرامة الوطنية والعدالة الاجتماعية والحق في المواطنة والتحرر من القيد الشمولي في الحكم.

صحيح أن الأحلام التي كانت تملأ أحداق شباب تونس يوم الرابع عشر من يناير من سنة 2011، قد تكسر الجزء الكبير منها على أعتاب الحروب والطائفية والإرهاب والأزمات الاقتصادية الحادة التي يمر بها العالم بأسره، والعرب جزء منه، لكن الحدث في ذاته في انهيار نظامين سياسيين قويين في المنطقة العربية (التونسي والمصري) تحت وقع رغبة عامة في الانتفاض والتغيير، يمثل نقطة تحول كبرى في التاريخ العربي المعاصر والذي أدى بكل حكومات العالم إلى إعادة قراءة أنظمتها وسياقات نموها وفكرها السياسي.

لقد وضع الربيع العربي العالم أمام حقيقة وجودية مفادها أن المنظومة الكونية التي تحكم االمعمورة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ليست قادرة على حفظ التوازن بين حرية الإنسان ومتطلباته وبين ضرورة الدولة ومشروعيتها ودور مؤسساتها، لأن القيم التي ترافق عولمة رأس المال قد بلغت أقصاها وأصبح توحش المنظومة متجاوزا لحدود السيطرة عليه.. فعم البؤس جل المجتمعات، باستثناء تلك القلة القليلة التي تملك الثروة.

بعد خمس سنوات من إلقاء الحجر السحري (المطالبة بالتحرر) في المستنقع العربي السحيق بتراثه وتاريخه وشعوبه وطوائفه وأعراقه وأنظمته وسياساته، وبكل ما يحمله ذلك من شحنات متوترة معدة لحرب الكل ضد الكل، تطالعنا التغييرات من كل مكان في العالم، خاصة أوروبا التي ارتدت صفعات حروب الشرق الأوسط على وجهها بأزمة اللجوء. فحدث أن غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي معلنة بداية حقبة عالمية جديدة ربما قد تنتهي بدوران حضاري كبير يفقد الغرب فيه هذه المكانة التي يحظى بها كما فقدت اليونان مكانتها في التاريخ القديم. وحدث أن أفرز الغرب تعرقا ناتجا عن حمى الأزمة الاقتصادية فكان صوت اليمين المتطرف عائدا من بعيد، مذكرا بفترة لا معقولة في التاريخ الإنساني المعاصر وهي الحرب العالمية الثانية.

للعرب الآن إمكانية العودة إلى التاريخ العالمي عبر الذكاء الحضاري الكامن لديهم والذي غمرته الخرافة واستحال مع وهم الطائفة إلى طاقة ضخمة من العنف، وجعلته القبيلة ذكاء منحصرا في نطاق ضيق لا يعرف المدنية والمواطنة والعيش المشترك، بعد أن كان ذكاء يتحمل العروبة والعالمية والتاريخ في قرون ازدهار الترجمة والفلسفة والموسيقى وفن الحروب.

وليس بالأمر البسيط أن نعيد انتشار ميزان القوة في العالم عبر جملة من القيم الكامنة في التاريخ، فذلك أمر يتطلب ورشات مطولة لانتقاء ما يفيد من التراث وتخليصه من العوالق السامة التي ترسخت فيه وأوهمت قسما كبيرا من الناس أنها من الثوابت. فلحظة الربيع العربي ـ إذا سلمنا بهذه التسمية السريعة القادمة من الغرب ـ هي لحظة صادقة في الصراخ الناجم عن ثقل التقاليد وصعوبة التواصل في زمن الأزمة المعيشية المباشرة. فالحديث عن إمكانية قيادة العالم مرة أخرى لن يكون بأي شكل من الأشكال عبر رفع شعارات قديمة أو العمل على تحريك مجالات لا تعني الإنسانية في كليتها وشموليتها، خاصة المجال الديني، فقد سرقت الحركات الإسلامية التي تصدرت الحكم في دول الربيع حلما عالميا بالتحرر من منظومة متوحشة لا تتوقف عن امتصاص الدماء.

ذلك العطب الذي أصاب الحراك العربي نحو التحرر، والمقصود هنا الحركات الإسلامية ومن يدعمها من الأنظمة الإقليمية التي لا مصلحة لديها في أن يكون للعرب شأن مرة أخرى، لا يجب أن يكون عائقا حقيقيا أمام المسؤولية الإنسانية التي حملها الإنسان العربي في بداية الألفية الثالثة. فشباب الربيع العربي اليوم لا يعلم أن المضطهدين والجياع والبؤساء والمحرومين والمكبلة حرياتهم في العالم كانوا ينظرون إليه على أنه منارة يمكن أن تخلصهم من نمط الحياة الخانق، لكن الصفعة المدوية والمناقضة لمسار التاريخ كانت الإفرازات التقليدية التي ظهرت فجأة في صناديق الاقتراع.. وهي سلطة الإسلاميين.

يمكن للشباب العربي اليوم وبجدية أن يعيد افتكاك مشعل التحرر العالمي، فشباب ثورة مايو 1968 الفرنسية ليس أكثر اندفاعا ووعيا من العرب، ولا تلك الشعارات التي فجرت بنية فرنسا المحافظة اجتماعيا وثقافيا واقتصادية بأبلغ من الشعارات العربية التي يحملها الشباب منذ خمس سنوات والمنادية بالحرية والكرامة والعدالة والحق في الرقي.

ولئن كانت تلك الشعارات تستجيب لأسئلة داخلية تتمثل في القمع الأبوي والسلطوي والبطالة والفقر واختلال موازين الثروة لصالح الأغنياء، إلا أن حل تلك التناقضات سيدخل الإنسان العربي مرة أخرى إلى نادي الكبار تاريخيا ومن الباب الكبير، باب التأثير في سير العالم بملء الوزن العربي الثقيل.

صحافي من تونس

6