الربيع العربي قاد إلى الفوضى والعبث

القاص والشاعر العباس معافا يضع نفسه مع الجيل الذي يحترم الحالة الشعرية ويبجلها على الحالة السردية، لأن الشعر يجب أن يكون أول ما يحتفى به.
الاثنين 2020/02/17
منجز المبدع هو ما يبقى (لوحة للفنان إسماعيل الرفاعي)

يقف المثقفون السعوديون حيال المتغيرات الأخيرة التي تعيشها المملكة في مفترق طرق كبير بين استشرافهم للمرحلة القادمة، وبين قدرتهم على أن يكونوا رافعة للتحولات التي تنتظر دعم المؤسسات والهيئات والمثقفين. في هذا الحوار نتوقف مع الكاتب السعودي العباس معافا عند بعض القضايا الثقافية المتعلقة بالإبداع والكتابة والقصة، وبموقف المثقف السعودي حيال ما يجري في الداخل السعودي بصفة خاصة، وفي العالم العربي بصورة عامة.

رغم خفوتها في السنوات الأخيرة في عالم النشر والكتابة على المستوى العربي، فقد عادت القصة القصيرة لتكون منطقة جذب هامة للكثير من الأقلام، وفي السعودية مثلا اتجهت أقلام عديدة إلى فن القصة للتجريب فيه بمتعة الفكرة واللغة والأسلوب، ومن هؤلاء القاص والشاعر السعودي العباس معافا.

أصدر العباس معافا مجموعتين قصصيتين، الأولى بعنوان “أوشك أن أعود”، والثانية وسمها بـ“أصعد في السماء”، ويعكف حالياً على مجموعة مشاريع ثقافية على رأسها مجموعة أعمال قصصية مخطوطة مهيأة للطباعة، كما يشتغل على إصدار أول عمل روائي له بعنوان “الأسير”.

القصة والمثقفون

يرى معافا أن الفكرة – بشكل عام- هي الشرارة الأبدية للإبداع، وأن اللغة هي الدافع الحقيقي والفتيل الذي يوصلها إلى المتلقي.

القصة لعبة تمتحن صاحبها بصلافة
القصة لعبة تمتحن صاحبها بصلافة

يقول “في البدء، تتخير الفكرة قالبها، فتبدأ رحلة التشكل فتتضح المعالم، القصة لعبة تمتحن صاحبها بصلافة، تتلذذ باعتصار روحها مدة لارتكاب كل الحماقات التي توصلها إلى المتماهي في القالب المختار بعناية، للقصة خصوصية تكتسبها من كونها تمكث مع صاحبها فترات تتشكّل خلالها داخله، القصة ليست وليدة لحظة أو حالة ما، هكذا هي اللحظة السردية بالنسبة إلي، الفكرة التي لا تعود بالاشتغال على ذاتها هي فكرة وهمية لا تستحق أن تكتب، القصة روح تتخللك، وتصنع مجسمات داخلك، تمنحك زاوية خاصة للرؤية،
وتحترم فيك وجهتك، وعميق رؤيتك لكل مشهد”.

يضع معافا نفسه مع الجيل الذي يحترم الحالة الشعرية ويبجلها على الحالة السردية، لأن الشعر -حسب تعبيره- يجب أن يكون أول ما يحتفى به. لكنه يستأنف حديثه بالقول “مؤمن بالسرد عموماً وبالقصة خاصة، لا تعنيني كثيرا قضية الاحتفاء، فالإبداع هو حالة انزواء مرهونة بذاتها، والمشهد القصصي فضاء قد يضيق في فترات ويتسع في فترات أخرى، في السنوات القليلة الماضية بدأت تتشكل معالم اهتمام بالقصة في مدارس الثانوية، وخاصة مدارس الفتيات، وأرجو أن يتوسع هذا الاهتمام إلى مدارس البنين كذلك، وقد أشرفت هذا العام على مجموعة من الفتيات اللاتي يحاولن كتابة القصة بشغف، وكل ما أرجوه أن يستمر ذلك الشغف ليسمع المدى بقاصات وقاصين يتم من خلالهم إثراء المشهد السردي. المشهد السردي عموما تتضح معالمه من بين عدد الإصدارات والاشتغالات في السرد، وهو مقارنة بالمشهد الشعري لا يكاد يذكر، وذلك لعوامل أهمها بقعة الضوء الضئيلة التي يمنحها السرد لصاحبه”.

من ناحية أخرى يؤكد القاص على أنه رغم الصراع الذي اندلع بداية الثمانينات بين الصحويين والتيارات الاجتماعية والثقافية إلا أن المشهد الثقافي كان متقداً ومجابهاً للتيار الصحوي، والذي كان يمتلك سلطته وسطوته بسبب امتلاكه لعدة منابر متنوعة. يقول “رغم تلك السلطة القوية لتيار الصحوة إلا أن مصدر القوة الوحيد للمثقف والكتاب كان يتمثل في وضوح الرؤية وتحديد الهدف التنويري ضد كل منابر الصحوة. في النهاية، لا بد أن تتضح الرؤية، وتأخذ الأمور حجمها الطبيعي، وهو ما يحصل الآن في ظل مرئيات الدولة”.

ويضيف “لا يخفى على أحد أننا نتجه إلى خطاب وسطي واثق في خطواته، فالاعتدال هو الحل لخلق مناخ طبيعي للحوار، في ظل هذا المناخ، ومع توافر الفرص ومنطقيتها وعدلها ستصبح لدينا بيئة صحية، وبين هذا وذاك أنا لا أحبذ صنع ذات البيئة الإقصائية التي صنعت في الماضي، فالدولة ليست ضد أحد، ولكنها تسعى إلى خلق مساحات للجميع”.

وفي معرض حديثنا مع القاص عن الاهتمام الذي توليه هيئة الترفيه للمغنين والرياضيين بينما تهمل بشكل واضح القوى الثقافية، يعلّق قائلاً “المنطق يقول إن الثقافة ليست ترفيهاً، بمعنى أن هيئة الترفيه تقوم بدورها في رعاية الفن وأهله، ونرجو أن تقوم وزارة الثقافة بدورها كذلك في ظل الوزير الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود، فالمرحلة تحتاج إلى عمل جاد لرعاية الثقافة في الوطن، والرؤية ليس لها إطار أو حدود”.

ويتابع “المثقف لا يبحث عن تكريمه بقدر ما هو باحث عن تكريم منجزه الذي هو منجز الوطن. وفي الأخير، المنجز منجز الوطن والتاريخ، فالمشهد العام اليوم خلاق، ولا بد أن تجد الثقافة مساحتها المنصفة، وهو ما نطمح إليه في ظل وزارتنا”.

انقشاع الضباب

العباس معافا: الإبداع هو حالة انزواء مرهونة بذاتها، والمشهد القصصي فضاء قد يضيق في فترات ويتسع في فترات أخرى
العباس معافا: الإبداع هو حالة انزواء مرهونة بذاتها، والمشهد القصصي فضاء قد يضيق في فترات ويتسع في فترات أخرى

على مدى سنوات طويلة من الكتابة والتنظير ذهبت توصيات العديد من المثقفين والعاملين في الشأن الثقافي إلى اقتراح دمج الأندية الأدبية في جمعيات الثقافة والفنون تحت مظلة مراكز ثقافية أو بيوت للثقافة، تضم جميع الفنون الأدبية والفنية والأدائية. ولكون ضيفنا عضوا في نادي جازان الأدبي سألناه عن رأيه حيال هذا الملف.

يجيب معافا “المسألة ليست مجرد توصيات، فالدمج واقع تفرضه المرحلة، ولم يعد لعملية الفصل بين الأندية والجمعيات أي سبب، فالثقافة لا تُجزأ، وكلنا مدركون عجز الجمعيات مادياً وتفوق الأندية في هذا الجانب، فالجمعيات تعاني في كل مناطق المملكة، ورغم اجتهادات رؤسائها في تسيير دفة البرامج إلا أنها لا تمضي إلى مدى بعيد، والمسألة أظنها مسألة وقت ليتم الدمج، وذلك في ظل المتغيرات التي يجود بها المشهد العام، فعملية الفصل بين المسميين فرضته حاجة في الماضي لم تعد موجودة الآن، ألا وهي ضبابية الخطاب في تلك الفترة وسطوة التشدد التي لم تعد بنفس الحدة التي كانت عليها فيما مضى”.

وعن مبادرات وزارة الثقافة التي أطلقتها يقول العباس “نحن نحتاج كثيرا إلى المبادرات، لكن ما يعيقها فعلاً هو كونها فضفاضة، وتحتاج بدورها إلى مدى أطول. ماذا لو بدأنا بالممكن والمتاح والمنطقي؟ المثقف حين يرجو فإن رجاءه متعلق بالممكن والمتاح، جل تطلعات المثقف الحقيقي تتمحور حول إيجاد مساحة حرية أكبر، ونحن نسير إلى هذه المنطقة بأريحية، والوزارة في مرحلتها الحالية تحاول جاهدة إرساء أسس للعمل الثقافي الممنهج، وتحتاج من المثقفين وقفة عميقة لتأسيس هذه المرحلة، والشراكة المنطقية لا بد أن تبنى على أسس ومنهج نستلهمه من تغير لغة الخطاب، ومن جدية المساحة الكبيرة والثقة التي تمنحها لنا قيادتنا الحكيمة، فالروح المتفائلة داعمة ومقتنعة بأن التغيير هو سمة العصر، لذا يتوجب علينا أن نتكاتف مع وزارتنا لإنجاح وإحداث التغيير الحقيقي والممنهج لتصبح الأحلام حقيقة محضة”.

ننهي حوارنا مع العباس معافا حول رأيه في مآلات الربيع العربي الثقافية، وهل يمكن استخلاص حالة ثورية مهدّمة للحالة التقليدية للثقافة العربية؟ إذ يرى القاص أن الربيع العربي واقع فُرض علينا بشكل أو بآخر، أما مسألة تأثيره على ثقافة الوطن العربي، فلا تزال غير واضحة.

ويضيف “ربما مخرجات الربيع العربي لم تظهر بعد، فالثقافة العربية ليست ذات تأثير قوي، ربما لكونها اجتهادات فردية ولم ترق إلى العمل المؤسساتي المكتمل الأركان، ربما خلق لنا الربيع العربي صوراً من العبث المنمق، وخرّج لنا تشكيلات مختلفة في ظل الفوضى، لكن ربما في مراحل متقدمة ستخرج لنا أصوات هادئة بعد أن تنقشع ضبابية المشهد”.

15