الربيع العربي لم يكتف بتقسيم العرب في أوطانهم بل لاحقهم في المهجر

تلاحق لعنة الحروب في المجال العربي أغلب الجاليات العربية في المهجر، خاصة في بريطانيا، التي تحتوي قسما هاما من العرب العاملين في الخارج من مختلف المستويات والقطاعات. فقد انعكست الصراعات الأهلية في مواطنهم الأصلية كاليمن وسوريا والعراق ولبنان وليبيا والسودان وغيرها على تماسكهم الداخلي، فأصبح أبناء الوطن الواحد يعيشون غربة مضاعفة؛ الأولى أنهم في جغرافيا حضارية مختلفة، والثانية أن المشترك الوطني لم يعد يعني الكثير أمام الهويات الصغرى المتمثلة في الطائفة والمذهب والعشيرة والجهة.
الجمعة 2016/08/19
نسيت فلسطين وسط طائفية وتطرف العرب في بريطانيا

لندن - عرفت الجالية العربية في بريطانيا من ستينات إلى تسعينات القرن الماضي عهد انسجام وتآلف واتحاد. لم تكن تلك الجالية واسعة العدد وربما كانت تقتصر على النخب الأكاديمية، أو تلك العاملة في قطاع الأعمال وفي الدبلوماسية.

وحتى حين كبر حجم الجاليات في تلك الفترة بقيت الحالة العامة تتّسم بالإيجابية وعدم التسيّس والانقسام بالمعنى الذي تشهده هذه الأيام، مع أنها كانت تتأثر بالتطوّرات التي كانت تطرأ على الأنظمة السياسية سواء في حالات الحروب أو الانقلابات العسكرية أو القلاقل الداخلية.

يتذكر المخضرمون داخل الجالية العربية في بريطانيا عصرا ذهبيا شاعت فيه الاتحادات الخاصة بكل جالية، وراجت البعض من التشكّلات العابرة للجاليات والتي كانت تسعى إلى فعاليات عربية واحدة. ويروي الذين عايشوا تجربة “النادي العربي” في لندن، أحاديث عن أنشطة ناجحة وحيوية مزدهرة اندرجت داخلها وجوه عربية مهاجرة تنتمي إلى بلدان عربية مختلفة. ويتحدث أصحاب التجربة في ذلك العهد عن تناغم بين الكتل الاجتماعية والمهنية مع مجلس السفراء العرب للدفاع عن قضايا الجالية، وخصوصا عن قضايا العالم العربي.

مفارقة الماضي والحاضر

يعترف أصحاب هذه التجربة أن الجاليات كانت متأثرة بالأنظمة السياسية في كل بلد، وأن تلك الأنظمة كانت تخترق تلك الجاليات وتحاول الإشراف عليها، ما جعلها -إلا في بعض الاستثناءات- تلعب دورا تمثيليا لتلك الأنظمة إلى جانب السفارات المفترضة أن تكون المعنية الأولى بالأمر.

وبناء على هذا الوضع لم تشهد الجاليات انقسامات حادة كتلك التي تشهدها هذه الأيام، إلا من مجموعات المعارضة التي لم تكن تقترب من الأجسام الرسمية للجاليات المتعددة.

وفي هذا الإطار يقول ناصر يوسف، وهو مصرفي سوري يعمل في لندن، لـ”العرب” إنه “قبل الأحداث كانت الجالية السورية في مجملها تراعي التوجهات العامة للنظام في دمشق ولا تنشط ضدها، بل تشارك في النشاطات التي تخصّ النظام وتدعمها بشكل غير مباشر بحجّة أن ذلك عمل وطني. والكثير من الناس لم يميّز بين ما هو وطني وما يصب في مصلحة النظام”.

يذكر أصحاب التجربة السابقة من المغتربين القدماء أن القضايا العربية المؤدلجة وفق ما كانت تنفح به العواصم العربية شكّلت النسيج المشترك لعمل الجاليات العربية. كانت وحدة العرب في بريطانيا مطلوبة ولو بالحدّ الأدنى بشكل مواز لمطلب الوحدة العربية في نسخاتها الناصرية والبعثية والقومية بالعالم العربي.

الجاليات باتت متفرقة ومتشظية ومتفاوتة المصالح ومتعارضة المنافع، ولم تعد هناك قضية واحدة تجمعها

ورغم الخلافات التي عرفتها أنظمة ذلك الزمن إلا أن الجاليات ظلت منسجمة متضامنة خلال الحروب العربية الإسرائيلية، وظلت القضية الفلسطينية المادة المحورية التي تتحلق حولها الجاليات، ولو في الشكل، حتى لو اختلفت الرؤى العربية منذ اجتياح بيروت عام 1982 ودخول مراحل كامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو.

لكن هذا الوضع تدهور مع اندثار الفترة الناصرية وازداد سوءا مع تدهور الوضعين السياسي والأمني في المنطقة العربية وصولا إلى فترة الربيع العربي. باتت الجاليات متفرقة ومتشظية ومتفاوتة المصالح ومتعارضة المنافع، ولم تعد هناك قضية واحدة بإمكانها تأمين وعاء مشترك لعرب المهجر الخليجيين والمغاربة والمشرقيين وعرب وادي النيل.

ورغم أن قضية فلسطين مازالت منبرا بالإمكان الاستعانة به لتعبيد أرضية لفعاليات عربية مشتركة، إلا أن تراجع القضية في الأولويات العربية، وبالتالي في أولويات اهتمامات الجاليات بصعود قضايا كل بلد على حدة، أسس لتباعد في اهتمامات الناس نحو ما هو خاص دون أي مشتركات حقيقية مباشرة.

ويروي الصحافي والكاتب عرفان نظام الدين الذي عاصر تلك الفترة لـ”العرب” أنه “من السبعينات حتى التسعينات كانت القضية الفلسطينية محور النشاطات العربية ومعها مختلف القضايا العربية الهامة، وأن الجهود كانت تبذل من قبل مجلس السفراء العرب والجمعيات الخاصة بمختلف الجاليات ومكاتب الجامعة وغرف التجارة العربية وجمعيات الصداقة، وكان الإعلام بمؤسساته وإعلامييه يساهم بشكل فعال في لعب دور بارز، إما بالتوجيه وإما بالكشف عن قضايا مصيرية وإما بشن حملات قانونية وإعلامية وسياسية والأمثلة لا تعدّ ولا تحصى”.

ويلفت بعض المراقبين لشؤون الجاليات العربية، إلى أن تحوّل طبيعة الاغتراب من خيار كيفي إلى خيار إجباري بسبب اللجوء السياسي أو العوز الاقتصادي، صدّع من لحمة الناس داخل الجالية الواحدة، وجعل الانقسام داخلها متعدد المستويات، فيما ساهمت براكين الربيع العربي في تفاقم حال عدم الانسجام الداخلي كمرآة عاكسة لحال الانقسام في بلد الأصل.

لكن أوساطا داخل الجالية العربية تشدّ الانتباه إلى انقسام من نوع آخر طرأ على طبيعة الانقسامات والتي، للمفارقة، تتجاوز الحدود الكلاسيكية للجاليات العربية. وقد رأت هذه الأوساط أن الصراع الذي حصل في المنطقة بين الإسلاميين ودعاة الدولة المدنية، انعكس في بريطانيا تضامنا بين الحركات الإسلامية لدى كافة الجاليات، فيما عمل المواطنون من أصول عربية أو المهاجرون العرب إلى النأي بأنفسهم عن تلك الجماعات التي باتت وراء وضع كافة المسلمين تحت مجهر الأمن والمجتمع والحركات العنصرية. وتذكر هذه الأوساط أن ظاهرة الانقسام هذه تشبه تلك التي جمعت التيارات اليسارية أو القومية في أواخر القرن الماضي.

عرفان نظام الدين: في ظل الانهيارات العربية تفرق العرب ولم نعد نسمع بأي عمل عربي مشترك

أمثلة حية

يشدد المتأملون لحال الجاليات على الانقسام الحاد الذي أصاب جاليات البلدان التي تشهد تطاحنا دمويا عنيفا كسوريا واليمن وليبيا.

ويروي أحد المغتربين اليمنيين أن “الوضع بات لا يطاق داخل الجالية، وأن التعدد السابق الذي كان يتأسس على معايير قبلية ووجاهية تحوّل إلى حالة انقسام داخلي حاد ليس بالضرورة موازيا للانقسام المعلن في اليمن”.

وترى آراء في الجالية أن الحروب أعادت تفكيك المجتمع إلى هويّات لم تكن معروفة في السابق فانعطفت القبائلية على الحزبية والدينية والمذهبية على نحو لم يشهده اليمنيون قبل ذلك. وربما في الحالة السورية من الصعب الحديث عن جالية بالمعنى التقليدي؛ يذكر أحد سوريي لندن أن السوريين في بريطانيا يعيشون ما يشبه الحرب الأهلية الصامتة والباردة داخل انقسام حاد طائفي وسياسي، مضيفا أن السوريين يعيشون حالة عدم ثقة في ما بينهم رغم أنهم يحاولون التعايش تحت سقف القانون البريطاني.

ويقول إن الانقسام ليس فقط مذهبيا أو سياسيا بين أنصار النظام وأنصار المعارضة، بل إن السوريين منقسمون داخل كل معسكر ما يجعل التقاءهم تكاذبا لا يكشف وجه التفتت داخل مجتمع الاغتراب السوري.

ويذهب ناصر يوسف إلى القول “سقطت الوطنية السورية الجامعة للجالية السورية وحل محلها اللاشيء، ليس لنا كسوريين ما يجمعنا سوى حلم بعودة السلام والهدوء. أما الوطن، فكل واحد منا يتخيّل الوطن بالشكل والمضمون حسب فهمه وتصوره الغرائزي والديني وأحيانا الواقعي”.

ويروي تاجر عقارات عراقي غرب لندن أن لا جالية عراقية في البلاد، بل جاليات متعددة تنتظم وفق معايير تتبدل وفق الفترات الزمنية.

وأضاف أن العراقيين يعيشون هذا الانقسام منذ ما قبل غزو عام 2003 للعراق، لكن الأمر أخذ بعد ذلك أشكالا أكثر تعقيدا. ورغم أن معاناة العراقيين من نظام الحكم الراهن تفاقمت بسبب حالات العنف والفساد والنهب العلني للبلاد، إلا أن ذلك لم يرتق بالجالية إلى مستويات أكثر “حبا للوطن” وأكثر انسجاما.

ويرى أحد الناشطين في حزب العمال البريطاني، وهو من أصول عربية، أن على الجاليات العربية أن تذهب باتجاه الانخراط أكثر وأكثر داخل البنى الاجتماعية والسياسية والنقابية البريطانية، وأن معالجة الانقسام داخل الجاليات لا تحل، وربما لن تحل، لكنه يراها فرصة تاريخية سانحة للقطع مع بلدان الأصل وفواجعها في الحياة اليومية للمغترب، والوصل مع البنى الصلبة التي تؤسس قواعد للعيش الراهن والمستقبلي، معيبا على الجاليات العربية تخلّفها عن الالتحاق بالنظم السياسية والاجتماعية في بريطانيا بعكس ما سبقتهم إليه الجاليات الآسيوية مثلا.

ويقول أحد الأكاديميين الليبيين في بريطانيا أن ليبيي الاغتراب عجزوا عن تقديم تصوّر متقدم عن ذلك الليبيّ في ليبيا لمعالجة أزمة بلدهم، وأن أنشطة الليبيين في بريطانيا بقيت منعزلة بعيدة عن واقع الحال في ليبيا. ويضيف أن الكثير من الليبيين الذين وفدوا إلى بريطانيا في عهد نظام القذافي اكتشفوا في هذا البلد هوياتهم الجديدة بين شرق وغرب وبين قبائل وجهات ومدن.

ويقول إن الليبيين يسعون في بريطانيا إلى التعايش مع شروط الإقامة في بريطانيا دون أيّ رغبة في تشكيل جالية واحدة، وربما لاستحالة ذلك أيضا. يبتسم أحد أصحاب المطاعم اللبنانية في لندن ويقول إن اللبنانيين لم ينجحوا في أن يكونوا جالية واحدة، وإن الجمعيات والهيئات التي تظهر هنا وهناك تمثّل حساسيات لبنانية متعددة أغلبها يأخذ بعدا طائفيا ومذهبيا، ويرى أن حال الجاليات العربية المتفتتة قد “تلبنن”، وباتت خرائطها الداخلية متأثرة بالخرائط المتشكّلة في الدول الأم.

لكن أحد الصحافيين المغاربة يتحدث عن انسجام كامل داخل الجالية المغربية، ويعيد ذلك إلى اتفاق المغاربة في الخارج كما في الداخل على رمزية عاهل البلاد في توفير مظلة جامعة لجميع المغاربة.

ويضيف أن سبب توافق المغاربة يعود أيضا إلى نجاح النظام السياسي المغربي في امتصاص القلاقل التي أطلّت في موسم الربيع العربي من جهة، وإلى اهتمام مباشر وقديم من حكومات الرباط بالجاليــات المغربية في الخارج منجهة اخرى.

الجاليات العربية لم تستطع، لأسباب كثيرة، تشكيل أجسام محصنة من علل البلدان الأم لاستيرادها أمراض دولها

وفي حديث عرفان نظام الدين عن وضع الجاليات هذه الأيام يقول إنه “في ظل الانهيارات العربية تفرّق العرب وساد الجمود والشلل، وحُلّت معظم الجمعيات أو تشرذمت مثل النادي العربي وجمعيات الجاليات وتوقفت أعمال مجلس السفراء وتقزّمت مكاتب الجامعة، ولم نعد نسمع بأي عمل عربي مشترك إلا ما ندر، وبصورة مشابهة لمجمل الأوضاع العربية المتهالكة”.

والواضح أن الجاليات العربية لم تستطع، لأسباب كثيرة، تشكيل أجسام محصّنة من علل البلدان الأم، وأن الوهن الحالي الذي تعاني منه سببه ضعف الرعاية الرسمية التي كانت تحظى به في القرن الماضي، على نحو يجعلها تنتظر تشكّل الدول واستقرارها بعد البراكين الراهنة وثباتها على بوصلة مجتمعية وسياسية معيّنة. على أن ميلا آخر بات ينضج داخل الجاليات، ولا سيما لدى شرائحها الشبابية، حيث تميل نحو التحرر من الارتباط المصيري بمصير البلدان الأم والذهاب باتجاه ربط ذلك المصير بأوردة بريطانيا، على الرغم من المناخات العدائية المنتعشة ضد الأجانب والمهاجرين.

إعادة إنتاج الصراع

لم تتمكن تلك الجاليات العربية الموجودة في بريطانيا أو في دول أوروبية أخرى من التخلص نهائيا من موروثات العقل العربي المكبل بالهويات المتطرفة، كالهوية الطائفية والعشائرية والجهوية. وقد ظهر ذلك عند العرب الذين يعيشون في بريطانيا وغيرها. فالفضاء الجغرافي الجديد والمتمثل في المجال الغربي لم يستطع احتواء الوافدين الجدد من المنطقة العربية حتى وإن كانت قوة القوانين ومنطق الحداثة والعلمانية هي التي تحكم المجال الحياتي اليومي لهؤلاء.

فقدرة العقل العربي على مقاومة المنطق الإنساني المنفتح والمتعايش قدرة قوية قد تتجاوز ذلك الواقع العلماني.

ويقول الباحث الإيطالي في الهجرة وعلم اجتماع الإدماج في جامعة روما بإيطاليا فابيو مارشاللي إن “الهويات ما تحت وطنية في الدول العربية (خاصة في الشرق الأوسط) أقوى من الهويات الوطنية الجامعة التي ينتمي إليها المواطنون هناك.

وهذا الأمر يعود إلى عدة أسباب، من بينها أن الرابط الطائفي أو العشائري أقوى من الانتماء الوطني، كذلك نسبة الأمية ونقص الإقبال على التمدرس خاصة لدى الإناث، وأيضا الأنظمة الرسمية التي تحرص على التنصيص على الدين أو الطائفة في بطاقات الهوية الوطنية، فهذا ما يخلق عدم تجانس بين الناس”. وأضاف مارشاللي “كل هذه المعضلات يتم حملها مع حقيبة السفر نحو أوروبا”.

ويفسر ما ذهب إليه الباحث الإيطالي في مسألة النفور بين أبناء الجاليات العربية في بريطانيا وبين أبناء الدولة الواحدة، ما ينتج عن إعادة إنتاج كل المنظومات الفكرية القائمة على التمايز الطائفي أو العشائري، وبذلك فإن الحلول الجذرية لإشكالات التشظي العربي يجب أن تمرّ أولا عبر العقل والإدراك وصولا إلى نظام الدولة.

7