الربيع العربي: مكر الدال ودرامية المرجع

الخميس 2013/09/26

لاشك أن العلاقة بين الدوال ومدلولاتها اعتباطيّة كما نبّه إلى ذلك دي سوسير، وأن وشائج تصل الأسماء بمسمياتها، وتضمن حدا معقولا من الارتباط بين الشيء وما يدلّ عليه من علامات. غير أن هذه المصادرة تتخذ مسارها العكسي متى حاولت إجراءها على الربيع العربي مركبا نعتيا لا يخلو من مخاتلة. مكر التسمية تجري على غير أعقابها وتنهض عن خلف، تشي بما يتعارض وآفاق الانتظار، وتوهي بما يناقضها.

لقد حسب العربي حين خروجه مردّدا «ديقاج» في تونس، صادحا بـ«ارحل» في مصر، وما كان قريبا من دلالتهما في ليبيا أو اليمن أو سوريا، أن تاريخه بعد الذي أصابه من عطب مكين قد قرّر أن يتحرّك، وأنّ مقايضة الحرّيّة بالدّم أمر لا مناص منه، ولا مفرّ فالدّكتاتوريّة من أمامه، ومخطّطات الدّول الكبرى من ورائه. ولاشكّ أنّ أحلاما قد ارتسمت وآفاقا قد فتحت أبوابها، فعلت الحماسة نبرة في المشترك الجمعي، وعلقت الأفئدة بآمال خلّب طالما كتمت تطلّعا إلى نصيب من المواطنة، وحال أفضل على مختلف أصعدة العيش اقتصادا وثقافة وإعلاما.

ولم يكن البون قائما بين المجتمعات العربيّة على ما بينها من فروقات، لقد كانت الشّعوب وهي تواجه من القمع آلته بصدور عارية وأكفّ عزلاء متحرّكة على اختلاف درجات الوعي وعلى ما بينها من مسافات في تصوّر الأشياء وطرائق تأويلها بشوق دائب جهة نواة هي من الدّائرة مركزها ومن الحدث جوهره، لم يكن بحولك وأنت تشاهد تلك الملايين أن تفرّق بين يساريّ أو يمينيّ، كانت الحناجر في مناداتها بالشّغل وبالحرّيّة وبالكرامة الوطنيّة لا شرقيّة ولا غربيّة، ولم يدر بخلد أصحابها أنّ ربيعهم الموعود ستخالطه شوائب؛ بعضها جاء من وراء البحر بعد سنوات استجمام، وبعضها هرّب خلسة من الحدود كبضاعة فاسدة.

ولو أردنا تأريخا للصّدمة فلاشك أن صعود الإسلاميّين في كلّ من تونس ومصر كان بداية الانتباه إلى الشوك فيما شبه لناظريه ورودا. فتونس غارقة في الالتباس وصارت العبارة الأكثر تواترا لدى القاصي كما الدّاني ما محصّله أنّ البلاد تهوي، وأنّ الدّولة تتّجه صوب الحائط في درب مقفل. صار الاغتيال حدثا دوريّا ولم يعد الواحد آمنا على نفسه حتّى في غرفة نومه، نشرات أخبار حمراء بلون الدّم وسوداء بلون لحى أطالها أصحابها وقصرت الهمّة عن المراد، وجدل عقيم في سفاسف أمور أعلت صوت الجاهل على صاحب العلم. وفي الرّبيع التونسي لك أن تشهد هجيرا وللضباب سلطانه على الرؤية، حكومة تحترف المماطلة ومعارضة هائمة على وجهها، ومجلس تأسيسي بين الحل والعقد فلا الدستور اكتمل ولا الحقائق ظهرت، بلاد تسير على غير منهج، والاحتمالات على أكفّ العفاريت فما من طريق إلّا ومؤد الى تعقد الحال.

وأمّا ليبيا فسيرياليّة المشهد أشد فظاعة من الإحاطة به وصفا، ولئن استطاعت مصر أن تتخلّص من المارد الإخواني فانّ ترميم ما تهدم وإزاحة ما تبقى من آثار الكابوس مسائل تتطلّب زمنا وتستدعي صبرا. ومتى ولّيت وجهك شطر سوريا فإنّك ملاق من الدراميّة أكثر أشكالها دمويّة ولست بقادر ولو اجتهدت على اتّخاذ موقع مما يجري، إلا وداخلتك الرّيبة في أصالته، فوعيك باستبداد النّظام ومناصرتك للشّعب فيما أراد لنفسه من هواء طلق يصطدم بالمستنقع الاخوانيّ ممثّلا بجبهة النّصرة ومن لفّ لفّها وحاذاه من مجاهدة بالنّكاح وجاهليّة جهلاء يعضدها المال القطريّ ومخطّطات جهنّميّة غايتها خلط الأوراق، لقد أصبحت أرض الشّام مقبرة يسجّى فيها الرّبيع العربيّ ويطوى التّراب بين نظام متعنّت، ومعارضة اختلط فيها النّابل المدنيّ بالحابل الجهاديّ، فتهدّم السّقف على البيت وسكّانه فلا ترى إلّا أشلاء وجثثا ممزّقة ومشرّدين توزّعوا في الأرض ينتظرهم شتاء آخر فيما توهّموا من ربيع.

هكذا يشهد الدّالّ أقصى درجات انزياحه على المرجع وتتّسع دوائر الحيرة فتجيء على أخضر وعيك ويابسه، إنّه الحريق العربيّ والغرق العربيّ في لحظة فاصلة من الالتباس، يظلّ فيها الأمل قائما متى استنهضت الشّعوب أوّل عزمها واستفاقت على مصابها.


كاتب تونسي

9