"الربيع العربي" وموت البلاغة

الأحد 2013/08/18

المثقفون اليوم حائرون، والثقافة العربية في اضطراب. هبّ "الربيع العربي" عليهم وهزّ وجدانهم، فهتفوا لأجله، وانخرطت كثرة منهم في ميادينه قادة ومنظرين، وعندما تحول هذا "الربيع" إلى شتاء دام في بلد، وصيف ساخن في آخر، وظهرت نزعات نكوصية هنا، وثورة مضادة هناك، وحروب ارتجف لها الإقليم وفاجأت بدمويتها العالم، ومحاولات للهيمنة في غير بلد عربي من جانب قوى سياسية وأيديولوجية اختطفت انتفاضات الشباب العربي، محاولة تجيير قوة الميادين لأجل مصالحها الحزبية والأيديولوجية، للهيمنة على الدولة وفرض مشروعها الضيق على الجموع والمجتمعات، تبلبلت الأوضاع العربية أكثر فأكثر، بفعل اشتباك العناصر المتنافرة في رؤاها للمستقبل، ودخول عوامل إقليمية بلبلت رؤى المثقفين ومواقفهم، وقد تشعبت بهم مسارات الصراع وارتداداته.

لكن الثقافة العربية فكرا وإبداعا ومغامرات جمالية، لم تبرح تبدي تطلعها نحو القادم من الأفق، ولم تتوقف عن الحلم بالمستقبل، وطرح الأسئلة حول ما سوف يأتي. لكن عناصر سلبية تكمن في اساس علاقة المجتمع بالثقافة الجديدة والتباسات قراءتها، وطبيعة علاقة المثقف بالمجتمع والسلطة والدولة، كانت، غالبا، محبطة لهذه التطلعات.

على خلفية هذه اللوحة القلقة، وفي ظلّ استمرار هيمنة السياسي على الثقافي، تراجعت أدوار المثقفين، الذين بدوا قلقين على وحدة مجتمعاتهم وانسجام مكوناتها المؤسسة للاجتماع والهويات، وبدا أن العالم العربي، الذي عرف موجات وأطوارا متعاقبة من الأفكار الكبرى والأيدولوجيات الفاعلة، سلبا وإيجابا، في الفكر والتطلعات، يعوزه اليوم، وقد اهتزّت تلك الأفكار وتَلِفَتْ أيديولوجياتها، أن يعيد تعريف ذاته، ويعيد إنتاج السؤال حول معنى وجوده، وقراءة مستقبله، من خلال طرح الأسئلة الأكثر صراحة وجوهرية، والبحث عن الأجوبة حول جملة متشابكة ومعقدة من المسائل التي كانت في أساس تلك الانتفاضات، وبعضها كان يقع في باب المسكوت عنه.

لا مناص أمام الثقافة العربية، اليوم، حتى تخطو خطوة نحو المستقبل الذي رنت إليه أرواح الأجيال الجديدة، من مصارحة ذاتها، والاعتراف بأن لغة الفكر السابق على العواصف التي هبّت، لم يعد أكثرها صالحا للحياة، وأن اللغة البلاغية العاجزة التي سادت، كانت وما تزال جزءا من الأزمة، ولن يكون بمقدورها، بداهة، أن تحمل رؤى مبدعة، ولا أن يكون لديها البلسم الشافي من العلل.

نهض الشباب العربي ليجدد الحياة، فهللنا له، وها نحن نضع في طريقه الحواجز. وبدلا من أن نفسح للغته وأسئلته ورؤاه أن تتفتح مع أزهار هذا "الربيع"، وتجدد فصول الحياة بألوان من الجمال والقوة والابتكار والسعي نحو المستقبل، إذا باللغة المتخشبة والأيديولوجيات الهالكة التي استعارت عينيها من الماضي، ولم ترنو إلى سواه، تفتك بتطلعـــات الشباب، وتنكر عليهم رنوهم نحو المستقبل، وحقهم في صناعة حاضرهم، بطرائقهـــم الجديدة، لتحل نفسها، بأنانية مريضة، محلَّهم وتحتل بعجزها إرادتهم، وتعيدهم، بالتالي، إلى البيوت القديمة التي خرجوا منها حالمين بالحرية، عبيدا للماضي مطأطئي الرؤوس.

والسؤال الآن، هو لماذا لم تفلح قوى الفكر، ورموز التفكير العربي الموصوف بأنه جديد وحداثي، اليوم، من قراءة المستقبل بعيون الشباب وتطلعاته المستقبلية؟ لماذا لم تملك الأذن الرهيفة ولا العين الصافية ولا الروح المتأججة، لتنصت إلى أحلام الشباب، وتبصر تطلعاتهم؟ لماذا لم يصلها قبس من أرواحهم المتأججة ونفوسهم الناهضة نحو المستقبل؟ فظل هذا الفكر في ميل، وحركات الشباب وموجاته المتدافعة إلى الشارع في ميل؟

وقد تناهبتها القوى الآفلة، وراحت توجهها هنا وهناك لتحيلها إلى قوة سالبة، ومن ثم إلى بركان خامد.

الفكر الجديد، الفكر المبدع في أزمنة التحولات الكبرى لأجل إنسان العالم عرَّف المثقف، ذات يوم، بأنه ذاك الذي يستطيع أن يسمع صوت اهتزاز العشب في هواء العالم.

فأين نحن من كل هذا؟ وأين هي ثقافتنا من هذا التوصيف؟

هل كنا، طوال الوقت، متشدقي كلمات لا نؤمن بمعانيها، حتى ننكرها عليه اليوم؟ هل كنا عشاق كلمات ونفاجة بلاغة لاغير؟

11