الربيع يعلن انتعاش سوق زهرة النارنج في تونس

محافظة نابل التونسية تعتبر عاصمة تقطير الزهر أو زيت النيرولي حيث تزدان أشجار النارنج بأزهار بيضاء اللون فواحة الرائحة تبعث النشاط بين سكان المحافظة.
السبت 2018/03/31
الزهرة التي تنعش تجارة أجهزة التقطير

تونس – يعلن موسم بيع الزهر في تونس عن نفسه، حيث تستقبل روائحه الفواحة كل من وطأت قدماه السوق المركزية (أكبر سوق يومية للخضر والغلال واللحوم والأسماك بالعاصمة التونسية).

زهرة شجرة النارنج كما تعرف في تونس وشمال أفريقيا تتفتح مع حلول شهر مارس، معلنة عن بدء موسم القطاف.

وتعتبر محافظة نابل التونسية عاصمة تقطير الزهر أو زيت النيرولي، إذ بحلول فصل الربيع تزدان أشجار النارنج بأزهار بيضاء اللون فواحة الرائحة تبعث النشاط بين سكان المحافظة الذين يعملون على جنيها وتقطيرها لتأمين مورد رزق للفلاحين وربات البيوت والمصانع.

 ويجمع كل التجار الذين تحدثوا لصحيفة “العرب” على انتعاش سوق هذه الزهرة العطرة، في حين أبدى المشترون تذمرا من غلاء الأسعار، يقول جلال السعيدي -أحد الباعة بالسوق المركزية- “بدأ هذا الموسم في وقت مبكر مقارنة بالمواسم الماضية”، مؤكدا أن “العام الحالي سيكون استثنائيا نظرا لقلة الأمطار، وهو ما يساهم في جني زهر ذي جودة عالية، فالجفاف وقلة الأمطار يعزّزان جودة الزهر والحصول على كميات وفيرة من زيت النيرولي”.

ويوضح السعيدي (55 عاما) الذي قضى نحو 35 سنة في هذه التجارة، أن “السبب وراء عدم انخفاض الأسعار في آخر الموسم كما جرت العادة مع بقية المنتوجات الأخرى، يكمن في أن بيع الزهر يمر بأربع فترات، في أولاها تكون الأسعار في متناول ذوي الإمكانيات المتوسطة حيث يتراوح فيها ثمن الكيلوغرام الواحد بين 7.500 و9 دنانير (ما يعادل 3 دولارات و3.7) ، وتبدأ هذه المرحلة منذ منتصف شهر مارس تقريبا، أما بقية الفترات فتكون في شهر أبريل وتتسم بجودة أفضل لزهرة النارنج وأسعار باهظة وتصل في آخر مراحلها إلى بيع قلب الزهرة دون أوراقها حيث يحوي هذا القلب زيتا رفيعا”.

ويضيف “أن أغلب الزبائن يقبلون على الزهر في هذا الشهر، ورغم الغلاء هناك إقبال مكثف من بداية الموسم إلى آخره”.

شهر أبريل تشهد فيه زهرة النارنج ذروة جودتها، وخلال هذا الشهر أيضا يرتفع سعرها

وشدد على أن سبب غلاء الأسعار -بالإضافة إلى سبب جودة المنتوج- إقبال المصانع على شراء زهرة النارنج بكميات كبيرة من أجل التقطير والحصول على زيوت موجهة بالخصوص إلى الأسواق الخارجية.

ويؤكد تجار السوق على أن شراء المصانع لمنتوج زهرة النارنج يضر بهم وبربات البيوت اللاتي يعملن على كسب بعض المال من بيع ماء الزهر.

ويحرص أغلب التونسيين على اقتناء الزهر من باعة بعينهم يحفظون أماكن تواجدهم السنوي بالسوق ولا يرضون بالتعامل مع غيرهم.

ويقول أحد الباعة إن هذه الزبونة دأبت على المجيء منذ 30 سنة وذاك منذ 3 أو 4 سنوات… وهكذا.

تقول إحدى حريفات السعيدي لالاهم (67 عاما) -ربة بيت تمتهن مهنة تقطير الزهر وبيعه- إنها “على امتداد سنوات عملها بتقطير الزهر التي قاربت الـ30 سنة لم تلاحظ أي تراجع في الأسعار”، مؤكدة أن “الأسعار في السنوات الأخيرة عرفت نسقا تصاعديا، وهو ما أثر على مبيعاتها، إذ أن ثمن قارورة ماء الزهر سعة 3 لترات قد يصل إلى 40 دينارا (حوالي 16 دولارا ونصف دولار)، وهو ما يفوق مقدرة التونسي الشرائية”.

في حين أعربت السيدة هندة (50 عاما) -ربة بيت لم تمض على التحاقها بالمهنة إلا 3 سنوات- عن سعادتها بشراء الزهر هذه السنة بأسعار تراها مقبولة جدا مقارنة بأسعار العام الماضي، حيث وجدت الكيلوغرام الواحد بـ15 دينارا (أي 6.17 دولار)، وتقول إنها حديثة عهد بالمهنة ولا تعرف مواعيد بيع الزهر، ولكنها بدأت تفهم البعض من أسراره وفهمت لماذا اضطرت العام الماضي إلى شرائه بثمن باهظ.

وأكدت، أن “تقطير الزهر يدخل عندها في باب التسلية والحصول على بعض المصاريف المنزلية من بيعه للأهل والأحباب، بالإضافة إلى استعماله المنزلي نظرا لفوائده الكثيرة”.

ولماء الزهر فوائد علاجية، إذ يستعمل في صنع الحلويات والعطور والتداوي من ضربة الشمس والآلام المعوية كما يستعمل في التجميل.

وتعتبر عكري العبيدي أن الفلاح يسعى إلى الربح بكل السبل، وعن ذلك تقول “لو كان بيده لاقتلع الشجر وعرضه للبيع″، معتبرة أن عملية العرض والطلب منافية للقوانين وغير خاضعة للرقابة، لذلك تشهد أسعار البيع تصاعدا يوما بعد آخر بدل العكس، مشددة على أن أسعار هذه السنة أكثر ارتفاعا من بقية السنوات الأخرى.

تقول العبيدي إنها “لا تحبذ شراء ماء الزهر جاهزا لعدم ثقتها في الآخرين، لأن البعض يعمد إلى إضافة قطرات من روح الزهر إلى الماء الخفيف الناتج عن تقطير متعدد لكميات صغيرة من الزهر، لذلك تفضل تقطير الزهر بنفسها  واشترت كل اللوازم كالقطّار -وهو الأداة التي يتم عبرها تقطير الزهر- والموقد والقوارير، وستخصص كمية مما تقطره لنفسها ووتوزع قسطا على أبنائها وتبيع ما تبقى للبعض من الأهالي والجيران”. وتضيف أنها “اضطرت إلى بيع ماء الزهر بأقل من سعره الحقيقي حتى لا تخسر زبائنها”.

ويرد التاجر شكري غزواني على ما يعتبره الزبائن تلاعبا بالأسعار، قائلا إن “ممارسة هذه المهنة أشبه بلعب القمار”، لأن التاجر هو الحلقة الضائعة بين الفلاح والمصانع، فالمزارع يبحث عن هامش ربحي أكبر سواء كان محصوله كبيرا أو صغيرا، فهو يكابد غلاء اليد العاملة، والمصانع تبحث عن كميات كبيرة من زهرة النارنج أدناها طن لاستخراج الزيوت الموجهة تحديدا للتصدير إلى الخارج، وكل هذه الأمور يجهلها المواطن ولا يرى إلا ارتفاع الأسعار ويجهل أن دخول المصانع الضخمة إلى اللعبة في شهر أبريل ألهب الأسعار”.

ويوضح غزواني أن “منتوج هذه السنة هو الأفضل على الإطلاق ولن يشهد انخفاضا في الأسعار بل العكس رغم تراجع نسبة المشترين مقارنة ببقية الأعوام الأخرى”. ويتابع “نضطر أحيانا للبيع بالخسارة حتى لا يكون مصير بضاعتنا القمامة”.

وتختلف شاذلية الماجري عن بقية تجار زهر النارنج فهي تجمع بين بيع الزهر في السوق وبيعه للمصانع وتقطيره وأحيانا تشتري المنتوج وهو لا يزال على رؤوس أشجاره.

تقول الماجري إن “تكاليف شراء المنتوج وهو على رؤوس أشجاره أصبحت باهظة جدا، لا سيما مع ارتفاع تكلفة اليد العاملة، لذلك اخترت هذا الموسم شراء المحصول بعد قطفه من كبار الفلاحين وبعد ذلك أحمل كميات صغيرة منه إلى السوق والبقية أبيعها للمصانع”.

وتضيف “في تجارة زهر النارنج لا وجود لأي احتمال للخسارة، الإقبال مكثف والتونسيون يعرفون قيمة وفوائد زيت النيرولي أو ماء الزهر كما يسميه التونسيون”.

وتتابع “هذه السنة أفضل من بقية السنوات فبالإضافة إلى الجودة العالية والكميات الوفيرة حتى الأسعار مناسبة خصوصا في هذا الوقت من السنة مقارنة بالسنة الماضية”.

أحد زبائن الماجري -ويدعى عادل- يؤكد أنه حريص على شراء الزهر من هذه التاجرة بالذات اتقاء لوقوعه فريسة لعمليات الغش.

ويروي أن والدته توارثت شراء وتقطير الزهر عن جده وهو اليوم يحاول السير على دربهما.

ويفضل التونسيون ماء الزهر الذي تقوم بتقطيره ربّات البيوت في المنازل بواسطة القطّار التقليدي، مؤكدين أن نكهته أفضل من الزهر المقطر في المصانع.

17