الرجال والنساء لا يريدون العيش معا في العالم العربي

الثلاثاء 2017/06/13
الحياة صار لونها بمبي!

القاهرة - عانت الكثير من المجتمعات العربية لسنوات، ومازالت، من الفكر المتشدد لبعض التيارات الدينية التي تحرّم الاختلاط بين الرجل والمرأة أو حتى تبادل أطراف الحديث إذا كانا غريبين عن بعضهما، لكن المثير في هذه القضية أن كلا الطرفين، سواء الرجل أو المرأة، بدآ تطبيق منع الاختلاط على نفسيهما بدافع ذاتي شخصي بعيدا عن فكرة التشدد الديني أو الانصياع لدعوات الفصل بينهما.

وخلال الآونة الأخيرة انتشرت ظاهرة تبدو غريبة على بعض المجتمعات العربية تتمثل في انعزال النساء عن الرجال، والعكس، من خلال تأسيس مقاه مخصصة لجنس واحد، أو إنشاء مشروعات للمواصلات مثل التاكسي وردي اللون لا تستخدمه إلا النساء فقط، بل وبلغ الأمر حد إنشاء منتديات على مواقع التواصل لا يشترك فيها إلا أبناء الجنس الواحد، إما رجالا أو نساء، وغير مسموح فيها بالاختلاط.

ورغم أن بعض الحكومات العربية هي من ابتدعت فكرة الفصل بين الجنسين منذ سنوات، سواء في مكاتب العمل أو المدارس أو حتى في وسائل المواصلات، لكن ذلك انتقل من مجرد سياسة حكومية يضعها مسؤولون ذوو أفق ضيق إلى ثقافة مجتمعية بين أبناء البلد الواحد.

وحتى وقت قريب لم تكن بعض المجتمعات تعرف ثقافة إنشاء مقاه أو مطاعم مدوّن على مداخلها “للرجال فقط”، أو “للنساء فقط”، أو حتى إنشاء صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يتجمع فيها أبناء جنس واحد ويُحظر على الطرف الآخر الدخول إليها، لكن تلك الأفكار بدأت تنتشر الآن على نطاق واسع، ما يزيد الفرقة والشتات.

ويدافع أصحاب هذه الأفكار “الإقصائية” للجنس الآخر عن منهجهم بأنهم يسعون إلى قدر أكبر من الشعور بالحرية بعيدا عن المضايقات أو الإحساس بأنهم مراقبون أو مكبّلون عن فعل شيء لا يتقبله الطرف الآخر (رجل أو امرأة).

ويرى متابعون لهذه الظاهرة أن فكرة الفصل بين الجنسين “بدافع إرادي” من الطرفين تمثل حالة من الانفصام الثقافي عند المؤمنين بهذا التوجه، لأنهم بذلك يسيرون عكس فكرة التحرر من الأفكار القديمة التي رسختها بعض التيارات الدينية المتشددة، ويبتعدون عن اتجاه الكثير من البلدان العربية نحو المزيد من التحرر الفكري.

وأرجع هؤلاء تزايد وتيرة هذا الفكر عند بعض الفئات إلى استمرار الفصل الإجباري بين الطلاب والطالبات في ساعات الدراسة، ما رسخ في الوجدان أن الالتحام بين الطرفين يناقض الأساس الذي نشأوا عليه تعليميّا وثقافيّا. ونتيجة لذلك ينقسم البلد الواحد إلى مجتمعين مختلفين، الأول نسائي والثاني ذكوري.

القضاء على الشراكة

وستكون المحصلة النهائية تراجع مفهوم المجتمع المدني، وزحف أفكار رجعيّة تتوغل في مخيّلة الجميع، إذ كيف يمكن في مجتمع متقدم تقبل فكرة تخصيص بعض المطاعم ساعات أسبوعية محددة لا تتناول فيها الطعام إلا النساء وحدهن؟

ويقول خبراء في علم الاجتماع إن زيادة الفصل بين الجنسين في مجتمع واحد تقضي على فكرة الشراكة بين الرجل والمرأة، سواء داخل العمل أو حتى في محيط الأسرة والعائلة، لأن التوجه نحو نمو الفصل سيجعل كل طرف ينظر إلى الآخر على أنه “دخيل على خصوصياته”، حتى وإن كان ذلك في إطار الحياة العامة.

مثال ذلك، أن مجرد دخول رجل إلى عربة مخصصة للسيدات في مترو الأنفاق المصري عن طريق الخطأ قد يمثل جريمة في نظر النساء الموجودات بالعربة، وقد يصل الأمر إلى معركة كلامية تتطور إلى مشادات بالأيدي، لأن هناك ثقافة راسخة عند هؤلاء السيدات بأن هذا الرجل تعدى على خصوصياتهن ودخل إلى مكان محرّم على الرجال.

وتقول سعاد منصور، أستاذة علم الاجتماع في جامعة عين شمس بالقاهرة، إن “زيادة معدلات الفصل بين الرجال والنساء في المجتمع تظهر المرأة بأنها الطرف الضعيف الذي يتعود الهرب إلى أماكن مخصصة له للحماية”.

وأضافت لـ”العرب” أن “ابتعاد ضلعي المجتمع الواحد عن بعضهما يقضي على فكرة الشراكة والمودة، ويؤدي إلى غياب ثقافة التحاور بين الطرفين، ومن ثم لن يفهم كلاهما الآخر وسيستمر الغموض”.

ورأت أن انتشار صفحات مخصصة للرجال فقط وأخرى للنساء على مواقع التواصل الاجتماعي، حتى وإن كانت ترفيهية، فإنه يباعد المسافات بين الطرفين وينمي شعور الكراهية والانقسام، خاصة بين الأزواج والزوجات.

ومن بين الصفحات التي انتشرت كالنار في الهشيم على مواقع التواصل وأصبح المشتركون فيها بالعشرات من الآلاف “جت في السوستة” و”قعدة رجالة” وهما للرجال فقط، بينما هناك صفحات للنساء مثل “حكاوي نسائية”، و”شيل إيدك”، وجميعها تمنع اشتراك الطرف الآخر بها، وفي حال ثبوت تسلل أي عضو لا تنطبق عليه شروط العضوية يتم حذفه على الفور، خاصة وأن تبادل الحديث فيها يكون بتحرر شبه كامل.

وقال مؤسس صفحة “جت في السوستة”، في تعريفه لها إنه يستهدف الهروب من قيود الإناث عموما، وأن يخلق حالة من الحرية بين أعضاء صفحته من الرجال ليتحدثوا في كل شيء يخصهم ويتعلق بمشكلاتهم والبعض يطرح الحلول لها، وممنوع نهائيا دخول السيدات أو التلصص على ما يقوله الرجال في هذا المنتدى الذكوري.

أما الفتيات اللاتي أسسن مجموعة من المقاهي النسائية، وتحديدا في مصر حيث بدأت الفكرة تتسع في محافظات الأقصر، بجنوب مصر، والدقهلية وكفر الشيخ (شمال)، فكانت مبرراتهن واحدة، وهي أنهن يحاولن الهرب من نظرات الرجال وفضولهم والتعامل بحرية بعيدا عن قيود الذكوريين وإلقاء العبارات البذيئة والجنسية.

13