"الرجل الأخير".. تراجيديا ما تبقى من الحروب

مقاربة موضوع الخراب والانهيار العظيم تختلف في فيلم المخرج رودريكو فيلا التي تمتزج بمعطى واقعي ومتغيرات غير مسرفة في الخيال.
الاثنين 2018/07/16
شبه هباء سديمي
 

ليس جديدا الحديث عن نهاية الكون، الموضوع المتجدد الذي يعنى به متخصصون في الكثير من المجالات، بمن فيهم صانعو أفلام الخيال العلمي، فقد كانت أفلام الديستوبيا ولا تزال موضوعا أثيرا وواحدا من أكثر الموضوعات التي يتواصل إنتاج الأفلام عنها بما تتضمنه من فناء أجزاء من الكوكب الأرضي وما شكل الحياة بعد ذلك، وماذا يفعل الناجون وكيف يعيشون؟

غالبا ما تكون أسباب النهاية القاتمة للمستقبل على كوكب الأرض إما بسبب الحروب والصراعات واستخدام أسلحة الدمار الشامل وإما نتيجة انتفاض الطبيعة وعصفها بحياة البشر، وهو الموضوع الأكثر تناولا في أفلام الخيال العلمي.

ويدرج موقع “رانكر” قائمة بأهم أفلام الديستوبيا في تاريخ السينما، ويضع في الصدارة أفلام “البرتقالة الميكانيكية” (إنتاج 1971)، وسلسلة “متسابق المتاهة” ابتداء من العام 1982، و”ماتريكس” (1999)، وسلسلة “ماد ماكس” التي بدأت في العام 1979، وسلسلة “الفاني” (1984)، و”العنصر الخامس” (1997)، وسلسلة “كوكب القردة” التي بدأت في العام 1968، و”الهروب من نيويورك” (1981)، و”رجل الأوميغا” (1971)، و”أيام غريبة” (1995)، وغيرها.

وفي الفيلم الجديد “الرجل الأخير” للمخرج رودريكو فيلا (إنتاج 2018) تبدو مقاربة موضوع الخراب والانهيار العظيم مختلفة لكونها تمتزج بمعطى واقعي ومتغيرات غير مسرفة في الخيال.

الخروج من الحرب بكل مآسيها وذكرياتها المؤلمة سوف يرافق كيرت (الممثل هايدن كريستينسين)، ليس مهما أن نعلم في أي حرب كان جنديا، لكنه يحمل القاسم المشترك لمخلفات الحروب ومنها ما يعرف طبيا بـ”أعراض ما بعد الصدمة” التي ترافق عادة الجنود الخارجين من الحروب.

لن تفارق الذكريات الأليمة مخيلة وعقل كيرت، وسيحضر زميله الجندي جوني (الممثل جوست كيلي) الذي قتله كيرت بدم بارد، لأنه كان سيبقى متألما من جراحه في ساحة المعركة، لكن جوني سيحضر بقوة في يوميات كيرت بالإضافة إلى صورته وهو طفل صغير يحضر ويشاركه محنته.

هي محنة وجود كامل، فالحضارة الغربية قد انهارت خلال ثلاثين يوما وحلت محلها الفوضى العارمة وتلوث كل شيء، وصار الهواء والغلاف الأرضي يحويان كثافة سميّة عالية وصارت مافيات الإجرام تصول في كل مكان.

في المقابل يحضر نوح، المنذر والواعظ (الممثل هارفي كيتيل) الذي يحذّر من النهاية الوشيكة، ويدعو من يريد الانضمام إليه لينقذ نفسه بالذهاب إلى أرض مجهولة، حتى باتوا يسمونه المسيح الدجال أو المزيف.

يغير كيرت مسار حياته مقتنعا بفرضيات نوح، ولكنه يلتحق بشركة يكتشف أنها ليست بعيدة عن المافيات السائدة فيتهم بسرقة أموال منها ويقع في غرام ابنة مدير الشركة.

وخلال ذلك لن يتوقف صوت الشخص الثالث الذي يلاحق كيرت ويحصي عدد الأيام التي قضاها منذ الانهيار العظيم، أو منذ خروجه من الحرب وهو يستعد لما هو أسوأ ببناء مخبأ محكم تحت الأرض.

هذه التراجيديا المتشعبة تم بناؤها وإخراجها بطريقة بارعة ومتقنة في شبه هباء سديمي، حيث لا تحتاج إلى أن يروي كيرت أو أي من الشخوص الإحساس بالمأساة والشقاء الذي يلاحقهم في حياتهم.

هي دراما محورها كيرت بوصفه الشخصية الدرامية الرئيسية التي تتماهى مع شخصية نوح؛ فكلاهما متمردان على واقع مخرب يتحكم فيه الرعاع.

ووسط حلكة المشاهد وقتامتها ينبت في تلك الأرض القاحلة حب وعلاقة إنسانية بين كيرت وجيسيكا (الممثلة ليز سولاري) التي سوف تشارك كيرت عزلته الكاملة، لكنها تحذّره من أن المافيا ورجال الشرطة وأتباع أبيها نفسه سوف يعثرون عليه ويؤذونه.

اشتمل الفيلم على خطوط سردية متعددة، فعلاوة على قوة الصراع من أجل البقاء التي يمثلها الثنائي كيرت ونوح ثم جيسيكا، هنالك الأب وعصابته وخصومه، وهنالك الحكومة التي يسندها رعاع ولصوص، وفي وسط هذه القوى المتناحرة يتصاعد البناء السردي ليكشف عن أزمة عميقة لمجتمع متآكل.

ولعل التحوّل الدرامي الذي يكمل تلك الرحلة القاسية هو اقتياد كيرت إلى ما يشبه سجنا للمجانين من قبل خصم لدود ومنافس له في الظفر بقلب جيسيكا، ذلك السجن هو منفى لمن تريد السلطات التخلص منهم، لينقذه نوح في حضور غير متوقع.

أخرجت التحوّلات في الدراما الفيلمية الأحداث من رتابة السرد المتعلق بصورة الديستوبيا السائدة وقتامة الحياة اليومية، إذ كانت مغامرة كيرت مغامرة الخروج من أصداء الحرب ومخلفاتها وخبراتها القاسية.

 وفي ما يتعلق بالمعالجة الصورية فإن الملاحظ أن أغلب المشاهد تم تصويرها ليلا أو في أجواء قاتمة وتحت درجة إضاءة منخفضة، ممّا أضفى على الفيلم المزيد من الإحساس بالمأساة، فضلا عن التنوع في زوايا التصوير والشكل البصري وجميعها تكاملت لتعزز الدراما الفيلمية.

ورغم أن الفيلم من الممكن أن يندرج ضمن فئة الأفلام قليلة التكلفة، إلاّ أن الثغرات فيه لا تكاد تذكر سواء على صعيد الدراما أو على صعيد الشخصيات أو على مستوى الأماكن أو من ناحية السينوغرافيا، بل إن هذا الفيلم بحق هو عمل إبداعي مكتنز وعميق، ولكن ما يؤسف عليه إهماله نقديا، لأنه ليس من إنتاج شركة عالمية كبيرة ولم تتوفر له دعاية كافية، وإلاّ فإنه يعد من روائع ما أنتج هذا العام.

16