الرجل التجريدي يصبغ على قماشة ناديا صفي الدين فرادتها

الخميس 2015/08/06
فضاء داخلي مسكون بسوداوية عارمة

تقلب الفنانة اللبنانية ناديا صفي الدين عبر مجموعة من اللوحات الزيتية المعروضة في صالة “أجيال” البيروتية، سلسلة من المعادلات رأسا على عقب، وتُدخل ببراعة فنية وتقنية متمكنة من ذاتها، المشاهد إلى عالمها التشكيلي “الشرير”، حيث لا هدوء ما بعد العاصفة ولا سلام في آخر النفق.

بيروت - الفنانة اللبنانية ناديا صفي الدين هي من مواليد داكار في السنغال، وهي تعيش حاليا في بيروت. تميزت أعمالها السابقة بسوداوية لم تغادرها حتى الآن. سوداوية عرفت الفنانة كيف تظهر أبعادها، عبر احتداد أو خفوت فصولها، بخبرة فنية راكمتها بشغف واضح. كما أن استخدامها للألوان الزيتية عبر توظيف خاصية الكثافة الحسية لتلك المادة اللونية هو من أقوى ما يميز عملها الفني.

درست ناديا صفي الدين الفنون في الجامعة اللبنانية، معهد الفنون الجميلة، ثم شاركت في معارض عدة في لبنان، ألمانيا، فرنسا وأستونيا، كما اختيرت إحدى لوحاتها لتكون من ضمن المجموعة الفنية التي يمتلكها البنك الدولي.

تدرجات الأسود

يكتشف الناظر إلى لوحات ناديا صفي الدين المعروضة في صالة “أجيال” البيروتية بأن اللون الأسود له هيئة مُبتكرة من حيث ما يشير إليه. فحضوره النافذ المُتجلي بمخيلته الحسيّة وبتقشف تدرجاته وصولا إلى “حيادية” اللون الرمادي هو المضيء وليس اللون الأبيض، ولا كل ما يمتّ إلى اللون الأبيض بصلة روحية كبضعة سنتيمترات من مساحات لونية هزيلة اقتصر سبب وجودها في اللوحات على خدمة حضور الأسود وتقديم الولاء المطلق له. أما هيئات الثقوب السوداء الموجودة في الفضاء الخارجي، فقد استقدمتها الفنانة إلى قلب لوحاتها لتعكس قوانينها العلمية ولتقنع المُشاهد بمصداقية رؤيتها الخاصة، إذ جعلتها تجسيدا بصريا لفضائها الداخلي المسكون بسوداوية عارمة.

من المعلوم أن عيون الثقوب السوداء في الفضاء الخارجي هي الأبلغ ظلاما، والأقدر على جذب وابتلاع كل ما يقترب منها من كائنات مشعة أو غير مُشعة على السواء، لكن الثقوب السوداء الخاصة بناديا صفي الدين هي مؤلفة من تيارات عنيفة وشطحات لونية غامقة.
إلاّ أنها مُختصرة في حضورها وتمدداتها، منفذة بتقنية فنية عالية تبدأ واسعة لتصول وتجول في أرجاء اللوحة حتى تضيق وتتكثف كلما اقتربت من وسط اللوحة، حيث يصبح اللون أقل سوادا وأخف حدة.

أما “الفاجعة” المشهدية التي تقدمها لنا الفنانة هناك في “نهاية” اللوحة، وفي تمام عمقها المغناطيسي هو تشكّل لملامح بشرية لصورة رجل واحد وعملاق في هيئته وبنيته الجسدية يحدق بعين المشاهد ويستدعي انتباهه إليه بقوة.

اللون الأبيض يقتصر وجوده في لوحات صفي الدين على خدمة حضور الأسود وتقديم الولاء المطلق له

عناوين لافتة

تتعدد انشغالات الرجل- العملاق.. انشغالات “واهية” تشي بعكس ما هو عليه في لوحات الفنانة. نراه في لوحاتها إما يستعدّ كمحارب فظ لقتال مهاجم غير مرئي، أو كمحاور يكظم غيظه أمام متحدث مجهول، أو يظهر منهمكا بتمزيق شيء ما بيديه الغليظتين وغير المتمكنتين.

تعطي الفنانة لأعمالها عناوين لافتة لتبقي بعضها خارج محدودية التسمية، نذكر من هذه العناوين “في الظل”، “الشاعر الملعون”، “حانق ولكن فخور”، “الملعون”، “الجرذ السكران” و”المفترس”.

قد تكون اللوحة التي “تخون” الفنانة وتظهر العملاق الأسود على حقيقته المخالفة لمظهره الخارجي، هي تلك التي تحمل اسم “المفترس” والتي يظهر فيها حاملا ما بين ذراعيه ضحية ما، شديدة الغموض وكثيرة البياض.

تحيل اللوحة المشاهد إلى قصة “الجميلة والوحش” وما تحمل من معان ورموز شعرية تناقض تماما ما بين الظاهر والباطن. عبثا تحاول الفنانة أن تعطي صفات عدائية أو إجرامية للرجل غليظ المنكبين وطويل القامة من خلال هذه التسميات التي تطلقها عليه.

يبقى في صميم لوحاتها مدججا بقوة طاردة لتلك الصفات. فهو عين الألم الدامع ومرآة كآبة الفنانة وكل ما يعتمل في نفسها من مشاعر متضاربة تكنها إلى.. رجل اللوحات.

16