الرجل الذي ضحك على الجميع

الاثنين 2014/12/01

هل تذكرون اليوم الذي ذهب فيه إلى مصر عقب سقوط نظام مبارك وأطلّ على المصريين، وعلى الإخوان المسلمين تحديداً، عبر قناة دريم يوم 12/09/2011، ناصحاً إيّاهم بتبني العلمانية في صياغة الدستور وفي بناء الدولة، موضحاً لهم بأنّ العلمانية تعني وقوف الدولة على مسافة واحدة من كافة الأديان، فيما يُسمّى بالحياد الديني للدّولة؟ كان رأيه صريحاً، وحمل أملاً كبيراً في ارتقاء الخطاب الإسلامي، وسرعان ما استنكر الإخوان تصريحاته وهاجموه بقسوة، ولم يقوموا حتى بواجب توديعه في المطار وكما استقبلوه عند قدومه، لم يتبّنوا كلامه لكنّه هو من تبنّاهم في الأخير.

هل كان الرّجل جاداً في نصحه لهم؟ هل تذكرون اليوم الذي ظهر فيه يغني بصوت جميل أثار الإعجاب، ثم استجابت زوجته لإلحاح ماسك المصدح كي تغني بدورها ولو على مضض؟ كان ذلك قبيل الانتخابات النيابية 12/06/ 2011، وكانت الصّورة قد انعكست على صناديق الاقتراع كما يرى البعض، حتى نسي الجميع بأنّ حرم السلطان لا يُسمع لها صوتٌ في أي أمر من الأمور.

والسؤال الأهم هل كان الرّجل يسوق صورة ليست له؟ هل تذكرون يوم اعترف بأنه حريص على إعطاء مثليي الجنس حقوقهم كاملة- ليس في الزّواج ولستُ أدري في ماذا بالضبط- لكنه سرعان ما هاجم الحركات النسائية كافة وأطلق عليها لسانه دون وجه حق ودون سبب؟ والسؤال الأهم هل كان الرّجل يعني ما يقول؟ هل تذكرون يوم اشتطّ غضباً في منتدى دافوس يوم 29 يناير 2009، حين لم يُمنح الوقت الكافي للرد على شيمون بيريز، ثم أعلن تجميد كل نشاط سياسي مع إسرائيل، في نفس الوقت الذي ظلت فيه الاتفاقيات التجارية سارية جارية باقية، علماً بأنّ محرك السياسة هو الاقتصاد؟ وبما أن الأمر كذلك فهل بوسعنا أن نغض البصر عن النفط زهيد الثمن الذي تشتريه حكومة أردوغان من المنظمات الجهادية المسيطرة على آبار النفط في سوريا والعراق ويمثل المصدر الأول لتمويل الجماعات الإرهابية؟ كل من تعامل مع بعض الشركات التركية يعرف ما تعنيه عبارة “الاقتصاد المافيوزي”، وهو الجانب الذي أثار حفيظة الزّعيم الرّوحي فتح الله غولن الذي يعرف ما تعنيه مقولة “الإفراط في الغش يدمر الغش”.

وبلا شك فللمغاربة تجربة مريرة مع قناطر الجنوب التي شيّدتها شركات تركية تحترف الغش تحت إشراف اتفاقيات حكومية، قبل أن تكشف الفيضانات الأخيرة بأنّ الشيء الوحيد الذي برعت فيه تلك الشركات هو التحايل على دفتر التحملات. أما عن حكومة العدالة والتنمية فيجدر بنا القول إنها ضحية انبهار ساذج بأصدقائها الأتراك. وهذا في انتظار ساعة الحقيقة.

والسّؤال الأهمّ، أليست الأردوغانية مجرّد كذبة انطلت على الجميع؟ هل تذكرون يوم انقلب أردوغان على زعيمه ومؤسس الإسلام السياسي التركي نجم الدين أربكان، بل أهانه وهمّشه في الحياة ثم بكاه في الممات؟ هل تذكرون يوم تسلّم عام 2010 جائزة القذافي لحقوق الإنسان، وهي الجائزة التي رفضها ساسة ومفكرون يحترمون أنفسهم، ثم احتفظ بها بلا تحفظ، ثم سرعان ما تحوّل إلى مهاجمة القذافي مع بدء ما يسمّى بالرّبيع العربي؟ هل تذكرون يوم أطلق وعيده المدوي بأنّه لن يسمح لـ“داعش” بالاقتراب من الحدود التركية، لكنها أصبحت على مرمى حجر من الحدود، ثم أطلقت الدبلوماسيين الأتراك الذين سبق أن احتجزتهم لبعض الوقت، وهو أمر لم تفعله داعش مع أي بلد آخر؟ والسؤال الأهم، هل كان الرّجل يكذب على الجميع؟

حذّر من خطره زعيمه بالذات، مؤسس الإسلام السياسي، نجم الدين أربكان، لكنه تغلّب عليه بالضربات تحت الحزام، ونجح في إزاحته بلا جُهد كبير. وأكثر من هذا، نصب نفسه ممثلا لإسلام ما بعد أربكان. ثم حذر من خطره حليفه التاريخي فتح الله غولن، لكنه تغلب عليه كذلك وكاد يقضي عليه لولا أنّ هذا الأخير فضل أن ينزوي منتظرا أن يدمر السلطان نفسه بنفسه كما قال لأنصاره مراراً.

هناك حكمة تقول، إذا أردت أن تعرف الوجه الحقيقي لأي إنسان فاجعله يغضب. وفي كل الأحوال يصعب على أي حاكم أن يتحكم في انفعالاته مدّة تفوق عشر سنوات. لذلك ليست صدفة أن يحدد الغرب مدة الولاية في دورتين. أردوغان تخطى السقف. إنجاز يُحسب له ويحسب عليه. إذ “لكل أجل كتاب”.

لا أعتقد بأنّ الرّجل، قد قرأ كتابا واحدا في الفلسفة السياسية. ولكي لا أبدو متحاملا، لست أشك في أن مستشاريه هم نخبة من التكنوقراط البارعين في تجارة الأعمال وتسيير المقاولات- حتى جورج والكر بوش كان بارعاً في هذا- غير أن هؤلاء المحافظين لا يفقهون النقاشات الفكرية الأكثر حداثة. بكل تأكيد، من علامات الجهل الكلام بصوت مرتفع وفي كل شيء. وأمّا حين تختلط الثرثرة بجنون العظمة فإن الأمر يغدو أقرب إلى الفضيحة. والحال يصعب على المرء أن يكون شيئا آخر غير ذاته لمدّة طويلة؛ لأنه سيصاب بالعياء الروحي، وسينكشف أمره. والأمر لم يعد محتملا هذه المرة:

أولاً، صرح أردوغان في مؤتمر أمام جمعيات مسلمين من أميركا الجنوبية باسطنبول بأنّ المسلمين سبقوا إلى اكتشاف القارة الأميركية قبل ثلاثمئة عام على وصول كولومبوس. ليخلط في ذلك بين احتمال أن يكون أشخاص مسلمون- أو غير مسلمين- وصلوا إلى القارة الأميركية قبل الكشوفات الجغرافية، وبين الاكتشاف الفعلي الذي كان جزءا من الكشوفات الجغرافية التي ساهمت في توسيع خريطة العالم لتضم في الأخير قارّة جديدة هي قارة أميركا. وإلاّ فإنّ الهنود الحمر أنفسهم لم يهبطوا من الفضاء، فقد وصلوا من آسيا قبل آلاف السنين. ثم وصل مستكشفون اسكندنافيون قبل كولومبوس بنحو 500 عام. وفي كل الأحوال، لا يبدو أن لكلام أردوغان من معنى غير الهذيان.

ثانياً، في خطاب صادم أمام حضور معظمه من النساء، يوم الإثنين الماضي، ردّد أردوغان نفس العبارة مرّات ومرّات، يقول فيها، أهمّ دور للمرأة هو الأمومة والرّضاعة، وفق ديننا الحنيف ووفق الطبيعة البشرية. وفق ديننا؟ هذا إذا كان يقصد إسلام عصر المماليك وسلاطين بني عثمان. وفق الطبيعة البشرية؟ هنا يبدو الرجل أقرب إلى عالم الأميين، الذين كلما لفّوا شواربهم إلا ونصبوا أنفسهم أوصياء النساء. لذلك طبيعي أن يتهكم على الحركات النسائية المطالبة بالمساواة ويتهمها بأنها لن تقتنع بكلامه بسبب أنها ضدّ الأمومة وضدّ الإنجاب.

لن نقع في الفخ، سنعترف لأردوغان (ونعترف عليه أيضاً) بأنّنا من فصيلة الثدييات، نلد، نرضع، نتغذى، نتبول، نتغوط، نرعى صغارنا، نحضنهم ونحميهم حتى يكبروا، مثل القردة والذئاب وغيرها. كل هذا نفعله وتفعله سائر الحيوانات. لكن ليس هذا ما يميز الإنسان.

الإنسان عبارة عن أبعاد ثقافية تفوق غرائز الثدييات يا أردوغان. فهل تعرف لماذا نقول إن المرأة مساوية للرّجل؟ لأننا لا نختزل المرأة في مجرّد ثدي للرضاعة ورحم للإنجاب كما هو حال سائر الثدييات، المرأة طموح وإرادة وإبداع وتفوق وتألق وتمرد واقتراح ورفض وحُلم وكينونة وخيال جامح واقتحام للعوالم المجهولة، المرأة إنسان يا أردوغان.

أخيراً، هل تذكرون ذلك اليوم، في بداية مساره السياسي، حين تعرّض أردوغان للاعتقال بسبب خطاب ألقاه وختمه بقصيدة تركية ترجع إلى عصر السلاطين، تقول: “مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذاتنا، مآذننا حرابنا، والمصلّون جنودنا، هذا الجيش المقدّس يحرس ديننا”؟ والسؤال الأهم، هل نجح أردوغان بعد تلك التجربة القاسية في إيهام الآخرين بأنّه تغير، وبأنه أصبح جاهزا للاستعمال كخلطة جديدة لم يتم تجريبها من قبل؟ أغلب الظن أنّ الأمر كذلك.


كاتب مغربي

8