الرجل الذي فقد عقله

الثلاثاء 2015/04/21

واضح أن فترة السنوات العشر التي أمضاها منقطعا عن الناس قد أفقدته عقله وجعلته يتخيل أشياء كثيرة، فمنذ صيف 2006 إبان ما يعرف بحرب تموز اعتزل أمين عام حزب الله حسن نصرالله الناس واختبأ في كهف سري، يقال إنه في الضاحية الجنوبية لبيروت التي ينظر إليها الكثير من اللبنانيين على أنها مستوطنة إيرانية في عاصمتهم، التي تضيّق طهران الخناق عليها منذ الثمانينات عبر ميليشيا حزب الله.

وإن كان إعلامه يعزو سبب اختفائه إلى أنه مستهدف من قبل “العدو الصهيوني”، فإن الأدلة التي ظهرت في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، تؤكد أن هذا الاختباء لا يعدو كونه هروبا، فأصابع الاتهام تشير إلى ضلوع حزبه في جريمة اغتيال الحريري، وقد وجهت الاتهامات رسميا إلى قياديين بارزين في حزبه، اختفوا بدورهم.

وقد اكتفى نصرالله، الذي بات يعرف مؤخرا بلقب حسن زميرة وهو الاسم الذي أطلقه عليه السوريون كما أطلقوا على حزبه تسمية “حالش”، خلال تلك السنوات بإطلالات تلفزيونية يكرر خلالها أسطوانته القديمة عن المقاومة والممانعة، ويوزع شهادات الوطنية والخيانة كيفما يشاء، وهو يراهن على أن لديه جمهورا عريضا يترقب خطاباته وينتظر توجيهاته، تخدعه في ذلك الهتافات التي يطلقها المتفرجون المتسمرون بأوامر عليا أمام شاشة البلازما التي يطل من خلالها عليهم، وهم يلوحون بقبضاتهم متوعدين عدوا وهميا ويهتفون: لبيك نصرالله.

وإن كانت أكاذيب المقاومة والممانعة تلقى رواجا قبل سنوات، فإن مسار الأحداث، خاصة بعد اندلاع الثورة السورية، وانتقال حزب الله بقياداته الأمامية للمشاركة في قمع السوريين وقتلهم، جعل تلك الأكاذيب تتكشّف واحدة بعد الأخرى، وجعل نصرالله يتحول إلى مجرد طائفي ينفذ مشروعا إيرانيا يستهدف النيْل من دول المنطقة وجعلها تابعة لإدارة الولي الفقيه، التي لا تخفي عبر تصريحات كبار مسؤوليها تلك الرغبة في الهيمنة والاستحواذ.

ومع انطلاق عاصفة الحزم التي بدأتها المملكة العربية السعودية وحلفاؤها، والتي لاقت تأييدا شعبيا واسعا، ووحّدت الشارع العربي في مواجهة إيران، واستطاعت أن تكتسب تأييدا دوليا سريعا، ما شكل ضغطا إضافيا على طهران المنتشية بما تعتبره انتصارا بعد توصلها لتوقيع اتفاق مع الدول الكبرى بخصوص برنامجها النووي، ازداد ظهور نصرالله التلفزيوني بشكل ملحوظ، فلم يعد يفوّت مناسبة دون أن يطل على جمهوره ليتحدث تحديدا في الشأن اليمني، ويهاجم المملكة السعودية وحلفاءها، وبدا الرجل في حالة أقرب إلى الهذيان وهو يرى الضربات المتلاحقة لطائرات عاصفة الحزم تنهال على قرينه اليمني المتمثل بجماعة الحوثي، التي تتقاطع في كل شيء مع حزب الله، وأهم شيء تبعيتها المباشرة لطهران.

الواقع يشير، وفق المعطيات العسكرية، إلى أن هزيمة جماعة الحوثيين وشيكة، حتى وإن طال أمد المعارك في اليمن، وأن عاصفة الحزم ستنهي ما بدأته، وسيؤدي ذلك بالضرورة إلى هزيمة معنوية كبيرة لأزعر الضاحية الجنوبية، وسيعود للانكفاء بعد أن يدرك أن إيران ليست القوة الخيالية المفرطة التي يسوّق لها هو شخصيا، وهي غير قادرة حقيقة، على إنقاذ أدواتها في المنطقة في حال تم الاتفاق على إنهائهم، ولعله يجد نفسه مضطرا للتخلي عن عنجهيته والقبول باستقرار الأوضاع في لبنان، علما أنه يشكل حجر عثرة في طريق أي تسوية سياسية تحاول القوى السياسية اللبنانية التوصل إليه، وإلا سيكون اللبنانيون مضطرين في النهاية للاستغاثة مطالبين بإنقاذهم منه ومن حزبه، تماما كما فعل اليمنيون.

كاتب سوري

9