الرجل الذي يستضيف خياله

الاثنين 2015/01/05

من يفكر في صالح بركات باعتباره صاحب قاعة فنية يكون قد أخطأ تصنيفه. فالرجل ظاهرة فنية لا تتكرر إلاّ نادرا. حين أراه وهو ينظر باحترام إلى وضاح فارس، العراقي الذي أقام غير قاعة فنية عبر العالم بدءا من ستينات القرن الماضي.

أشعر أنه لا يزال يرغب في التعلم، بالرغم من أنه صار منذ وقت بعيد معلما، لا في مجاله وحده، بل وأيضا في مجال تاريخ الفنون المعاصرة.

حساسية بركات ليست تجارية، وإن كان الرجل لا ينفي عنه تلك التهمة، بل يباركها مستندا إلى نزاهته. حساسيته الحقيقية تقيم في عين نقدية صارت تميز الجمال عن سواه.

مسرعا كان يمضي بي بين المواقع الفنية، وهو يتحاشى أن يلحق ضجري به الأذى. كان يتقدمني محلقا، وهو الذي لا يكترث كثيرا بوقع قدميه على الأرض.

يحدثني عن أرض خيالية يمشي عليها وحده. إنها أرضه التي يعبّر من خلالها عن وفائه لمن وهبوه الحكمة في أن يكون وصيا، من غير أن ينــصب نفسه أميرا على الفنانين.

يبدو تواضع بركات ساحرا من غير أن يفقده هالة القديس، الذي يتجسس على أحوال رعيته من غير أن يضنيهم بوجوده.

يعترف الكثير من الفنانين اللبنانيين أن صالح بركات، كان قد وضعهم على طريق الشهرة، غير أن بركات نفسه ينظر إلى ذلك الأمر من جهة مغايرة تماما. يقول لك “لقد علموني”، وعليك أن تصمت انبهارا بتلك الدربة التي وضعها بركات بين يديه، ليكون قائد أوركسترا تنفي صلتها به، غير أنها تمتثل لحركة يديه وهي تعزف.

بركات هو سيد المشهد الفني اللبناني اليوم. أعرف أنه سينفي عنه تلك الصفة. يخاف من اللحظة التي يبدو فيها غير قادر على التعلم. رعايته للفنانين هي نوع من التعلم.

ما من حدث فني يقع في بيروت، إلاّ ويكون على صلة به. غير أن الرجل الحريص على تخفّيه يرضى لنفسه أن يقف مع الجمهور في لحظة إلهام، يكون من خلالها خياله ممكنا.


كاتب من العراق

16