الرجل الشرقي.. الاعتذار يهدر الكبرياء

الأحد 2013/09/08
يمكن أن يكون الاعتذار بحركة رومنسية بسيطة

القاهرة - بمجرد أن تنظر المرأة في عيني زوجها، بعد كل محاورة ترى إما الكبرياء والإصرار والخشونة، أو شعورًا بالإقرار بالخطأ، وقد تلمس الاعتذار دون أن يتفوه الرجل بالكلمة، ولعل هذا كافٍ ما دام المهم هو الإصلاح والترميم وليس الإحراج أو محاولة ليّ ذراع الرجل من أجل كلمة الاعتذار.

ويمكن القول إن مشكلة غياب الاعتذار من جانب الرجل سببه خلل في عملية التواصل الزوجي، فبقدر ما يتدرب الطرفان على فنون الحوار والنقاش وإثارة الموضوعات العالقة بروح ودية، تقل الحاجة لتلك المواقف التي يضطر خلالها أحدهما بالتفوه بكلمات الاعتذار الصريح، إذ أن الاعتذار يتم بأشكال عديدة تكون أكثر ارتباطًا بخصوصية العلاقة الزوجية وتفرّدها عن بقية العلاقات الاجتماعية الأخرى.

يظن بعض الرجال أن التحكم في ألفاظهم وعدم خروجها في غير موضعها بمثابة صمام أمان لتفادي الصدام مع المرأة التي قد يخطئ بحقها ويرفض الاعتذار لها. في وقت ترى فيه المرأة أحقيتها في انتزاع هذا الاعتذار، ولعل المفارقة بين رفض الاعتذار ووجوبه، قبل وقوع الخطأ تعود إلى طبيعة الرجل في عدم قناعته بتقديم الاعتذار للمرأة من الأساس؛ لأنه بمثابة الانكسار بالنسبة إليه ويشعر حياله بالإهانة، فما بالنا إذا أجبر الرجل على الاعتذار بالتهديد والوعيد، فإنه يمتعض ويزداد غضبه لشعوره بكونه طفلاً يراد منه الاعتذار، وإن حدث فسيكون أسوأ اعتذار؛ لأنه لن يكون حقيقياً بل سطحياً، أو ربما يصل الأمر إلى العناد بين الطرفين فتنهار الأسرة سريعاً.

وحول هذا الموضوع قالت هيلين فيشر خبيرة العلوم البشرية بجامعة روتغرز بواشنطن: إن الرجل بصفة عامة لا يعتذر عن أخطائه لأنه يرى أن الاعتذار للمرأة يجرح كبرياءه، وغالباً أي اعتذار يتفوه به الرجل للمرأة يكون عن غير صدق ولإسكاتها فقط، وليس نابعاً من إحساسه بأن المرأة تستحقه عند تعرُّضِها للإساءة أو عند ارتكاب خطأ ما في حقها.

وأضافت: ثمة تشابه بين الرجل وذكر الشمبانزي، فالأخير لا يتفاعل مع المجتمع بسهولة ويتعامل بقسوة مع الآخرين؛ لأن هدفه هو تحقيق السيطرة والهيمنة على بقية القطيع من الإناث والأشبال، بينما في المجتمع البشري يعود الأمر برمته إلى ثقافة تربية الأطفال من البداية وتعودهم على أهمية الاعتذار للغير في حالة الخطأ، لكن للأسف هذه الكلمة ضاعت من قاموس البشرية إلا فيما نَدر، ولذلك عندما يتعرض الرجل لموقف يستوجب منه الاعتذار يعقد لسانه ويرفض توجيه الكلمة للطرف المقابل، خاصة إن كان امرأة.

وليس خفياً على أحد أن الرجال يعانون عموماً من مشكلة تعبير وتواصل في علاقتهم الزوجية، وهذا واضح من خلال ميل المرأة المتواصل نحو التعبير عن نفسها بالكلام، بينما يلوذ الرجل بالصمت في معظم الأحيان، وبذلك يمكن القول إن لسان المرأة مُدرّب أكثر من لسان الرجل على التواصل فيما يتعلق بأمور العائلة والعلاقة الزوجية.

ومن جانبها حذّرت مارثا ستراوس الباحثة النفسية بجامعة كين في نيوهامبشير، من الأسلوب الخاطئ الذي تتبعه المرأة في بعض الأحيان عندما تحاول إجبار الرجل على الاعتذار وتسعى إلى التهديد والوعيد كي يعتذر، وهذا الإصرار الأنثوي قد يولّد انفجاراً عند الرجل فيلوذ بالفرار من البيت حتى لا تحدث مصائب، أو قد يتشابك معها لفظياً من جديد ويتفوه بكلمات أكثر عنفاً من السابق. ولأجل هذا يجب على المرأة أن تنهي الجدل سريعاً لأن الرجل سوف يعتذر بهدية أو بحضن دافئ أو بنظرة عين قد تقول الكثير.

وأكدت أن الرجل لا يعجبه أن يرى في نفسه طفلا صغيراً يراد منه الاعتذار لشخص آخر أو يضطر إليه، خاصةً أن هذا الأمر غير مألوف بالنسبة إليه منذ كان صغيرًا، وفي حال تقديم الاعتذار بهذا الشكل فإنه سيكون سيئا وسطحيا ولن يكون اعتذارًا حقيقيا نابعا من وعي واعتراف بالخطأ.

في حين أوضح الدكتور علي سلمان أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة القاهرة، أن الرجل لابد أن يتحلى بأخلاق الفروسية والنبل والنزول من عليائه والإقرار بالخطأ الذي ارتكبه، إلا أن الرجل الشرقي يرى في الاعتذار لزوجته إهانة لكرامته ورجولته، لكنه على النقيض قد يعتذر لحبيبته في حال تأخر عن موعد أو قال لفظا جارحا خوفا من خسارتها.

وأكد الدكتور سلمان أن الاعتذار لا ينتقص من مكانة الرجل أمام زوجته بل على العكس سيعزز من رجاحة عقله وسيثبت أنه أهل لجوهر الرجولة ومعناها الحقيقي، وأوضح أن المرأة مثل الحجارة التي تسقط في الماء، بمعنى أنها تزيد من حجم الإهانة مثل تموجات المياه تماماً، حتى لو كانت بسيطة وتهوّل الموضوع وقد تستنجد بأهلها ليعرف الزوج خطأه، لكن عندما يكون الرجل راغبا في جعل الأمور في نصابها فعليه أن ينتبه ويحترس من الوقوع في الخطأ أو إهانة زوجته، لينأى بنفسه عن فخ الاعتذار، وأيضاً لتفادي الصدام مع المرأة التي قد يخطئ بحقها ويرفض الاعتذار لها.

ويرى الدكتور محمد خليل أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة عين شمس، أن الرجل إذا أخطأ في حق زوجته فعليه التحدّث معها عن السبب الذي دفعه إلى ذلك، والتحاور بشأن تجنب هذا الفعل أو التصرف في المستقبل، لكن بعض الرجال يرون أن هذه الأمور ليست مستساغة في ثقافتهم ويشعرون أنها مضيعة للوقت ولا لزوم لها وسخيفة، وهنا يكمن الفرق بين الجنسين فالزوج يرى أن هذه الأشياء مبتذلة وتهدر كبريـــاءه في حين تشعر الزوجة أن الاعتــــذار تقدير للحب ولها.

كما أكد الدكتور خليل أن اعتذار الرجل للمرأة يمكن أن تُختار له لحظة معينة ومختلفة تماماً عن اللحظة التي وقع فيها الخطأ، وفي كثير من الأحيان عندما يعتذر الرجل دون عناق أو نقاش تكون المرأة غير متأثرة لأنه لم يقدم ما تحتاج إليه من الاعتراف بالذنب والنقاش حول تحمل مسؤولية ارتكاب الخطأ؛ الأمر الذي يجعل الزوجة لا تتقبل بسهولة أسفه، لذلك على الرجل أن يتعود على ثقافة الاعتذار والحوار المشترك في جميع القضايا الخلافية.

هذا ويعد غياب ثقافة الاعتذار بين الرجل والمرأة من أكثر العوامل التي تهدد حياة الأسرة، ويصف بعض الخبراء انتظار الزوجة صدور اعتذار من زوجها وكأنها تنتظر جبل الجليد أن يذوب.

21