"الرجل الغاضب" حارس المال الباحث عن الانتقام

دراما بوليسية عن عصابات متناحرة تلاحق السيارات المصفحة للبنوك.
الأحد 2021/06/13
فيلم حركة مليء بالألغاز والمفاجآت

ما الكائن الفرد إلا نقطة في المدن العملاقة المترامية التي ينهش فيها الطمع أرواح الناس ويدفعهم إلى النزاع من أجل البقاء أو من أجل الثراء في برهة واحدة، وكأنه بحث عن وجود مواز أو حياة أخرى تساعد في الخروج من الدائرة. ولكنّ ذلك ليس بالأمر السهل وفيه تشابكات كثيرة كما نرى في فيلم “الرجل الغاضب”.

الدائرة الضخمة التي تحيط بالجميع في المدن الكبيرة والوجود الذائب في الرأسمالية المعملقة تلوح منذ البداية في اللقطات العامة لفيلم “الرجل الغاضب” للمخرج البريطاني غاي ريتشي (مواليد 1968) وهو كاتب سيناريو ومخرج تلفزيوني غزير الإنتاج ويأتي هذا الفيلم ليتوّج مسيرته الحافلة بالإنجازات.

قلنا عن تلك النقطة في وسط المدار الذي تمثله المدينة الصاخبة وإن هو إلا هيل، باختصار اسمه إلى الحرف الأول إيتش (الممثل البريطاني جيسون ستاثام) وهو الآخر اسم كبير في السينما (مواليد 1967) الذي دخل التمثيل ابتداء من العام 1989 وظهر في أكثر من 40 فيلماً سينمائيا ورشح للأوسكار في العام 2015 عن فيلمه الجاسوس.

ألغاز الحارس

يتميز جيسون ستاثام بطريقة مميزة في التمثيل تجمع ما بين الحركة وعمق التعبير، وهو لا يكرس البطولة الفردية المشابهة للنموذج الأميركي القائم على العضلات فحسب، بل إن هنالك إحساسا عميقا بالدور الذي يؤديه في هذا الفيلم المصنوع بحرفية عالية والذي شارك في كتابة السيناريو له خمسة كُتاب في إعداد خاص عن الفيلم الفرنسي “عربة المال” للمخرج نيوكولاس بوخريف.

الفيلم يبنى على أساس تشابكات سرية مركّبة تزجّ بنا في متاهة من الشخصيات والعصابات من الصعب فك ألغازها

الإشكالية التي يطرحها الفيلم هي المال ولا شيء غيره والشخصية الرئيسية هيل ما هو إلا حارس للمال في وسط عصابات متمرسة في القتل مهمتها السطو على تلك العربات المصفحة التي تنقل المال بين البنوك، لكن ظهور هيل الطارئ والمفاجئ في إحدى تلك الشركات سوف يقلب الأمور رأسا على عقب، فهو من يسمونه الروح الشيطانية وهو الشاشة البيضاء الغامضة وهو الذي يخفي وراءه أسرارا.

والحاصل أن الفيلم يبنى على أساس تشابكات سرية مركّبة حيث نجح فريق كتاب السيناريو في زجنا في متاهة من الشخصيات والعصابات حتى صار من الصعب فك ألغازها، وهو ما يجمع عليه العديد من النقاد الذين كتبوا عن الفيلم في عدد من الصحف والمواقع الأميركية والبريطانية.

الحبكة المتقنة والمصنوعة بعناية جعلت فك الألغاز مهمة صعبة ولهذا صار المخرج يلقي لنا المعلومات قطرة بعد أخرى لننتهي بعد سلسلة مغامرات إيتش إلى أنه يفقد ولده الوحيد الذي لا ذنب له على يد إحدى عصابات السرقة، بعدما تركه لدقائق في السيارة، ولأن وجه أحد اللصوص قد انكشف أمامه، يبدأ في مطاردتهم.

يعجز الأب المكلوم عن تبرير سبب مقتل الإبن أمام الأم الثكلى، ولهذا سوف يبدأ الرحلة شبه المستحيلة للكشف عن القاتل، وخلال ذلك يقوم بدور المتحرّي المحترف الذي يقتفي الأثر ويمتلك شجاعة المواجهة إلى درجة أن إحدى العصابات تتخلى عن عملية السطو المحكمة والناجحة لمجرد اكتشافها أن إيتش هو الحارس الرئيس لعربة البنك، وهو ما يزيد من حيرة رؤسائه.

ولنعد إلى هذه الشخصية الدرامية المركبة ونحللها بعناية، فهي أولا شخصية محاطة بالعديد من الصخب وخاصة في وسط العاملين كثيري التعليقات والثرثرة والذين يسعون لاكتشافه ومن هو ولماذا هو متمسك بذلك النوع من الصمت والنظرة الثاقبة، ومن جهة أخرى هنالك ريبة الآخرين التي تسربت إلى المشاهد نفسه، ثم إنه يحضى بذلك الثقل الذي يجعله صاحب القرار في وسط مسؤولي أمن ومنهم من يسميه الملك الذي أطلق يده للبحث عن قتلة إبنه.

هذه هي المجموعة الأولى التي لم تتكشف في وسطها شخصيته وأبعادها الدرامية وهنالك في موازاتها المجموعة التي تساعده في الكشف عن قتلة ابنه وهم أيضا ثلة من اللصوص وهؤلاء يخشونه ولا يعصون أمره وبذلك تجسد للشخصية وجه ثان قائم على الغلبة والتحكّم.

مواجهة دامية

Thumbnail

أما من وجهة نظر سردية مختلفة وموازية وليس في إطار معلومات إيتش فسوف نكتشف تلك العصابة التي أصلها محاربون من الجنود الأميركيين الخارجين من الخدمة، ومنهم من لا يميز بين الأفغاني والعربي، يقودهم الضابط السابق جاكسون (الممثل جيفري دوفانان) وهؤلاء هم الذين تورطوا في سرقة أفضت إلى مقتل ابن إيتش على يد جان (الممثل سكوت ايستوود) وهم الذين يختتم بهم الفيلم ذروته.

ونحن نصل إلى القسم الأخير من الفيلم تكون المواجهة لا تتعدى عملية سطو مصحوبة بقتل وعنف مفرط يباد فيه الطرفان إلا قليل منهم، ولا ينجو في الأخير غير جان وإيتش في مواجهة لم نكن نتوقع أن تتم بهذه السرعة في عملية تطهير متوقعة.

تكاملت في هذا الفيلم أغلب عناصر فيلم الحركة والعنف والجريمة الناجح وربما اختلف عن النمط الصاخب السائد للفيلم الأميركي بفضل طريقة إدارة المخرج للأحداث وزج المشاهد في كثير من الألغاز المحيرة التي حيكت دراميا حول شخصية إيتش، وهل هو شرطي أم متحرّ مارق؟ أم أنه قاتل مأجور أم مخبر أمني؟ جميع هذه الاحتمالات تتوارد إلى الذهن عند تحليل شخصيته وهي نقطة إضافية تحسب لهذا الفيلم المتميز.

15