الرجل ضحية ثقافة ساهمت المرأة في إنتاجها

رغم التطور الذي بلغته المجتمعات العربية خاصة من حيث انحسار نسبة الأمية وانتشار التعليم، مازالت وضعية المرأة في هذه المجتمعات محصورة بين شقين يرسخان حالها المتردي؛ الأول هو الجهل، والثاني هو المطالبات النسوية التي تعتقد أن العداء للرجل هو الحل لتحرير المرأة. هذه قضية شائكة خاضت فيها الروائية الجزائرية فيروز رشام في روايتها “تشرفتُ برحيلك”. “العرب” كان لها هذا اللقاء مع الكاتبة حول روايتها البكر.
الخميس 2017/01/19
عمر المرأة في ثقافتنا قصير جدا (لوحة للفنانة دارين أحمد)

تشغل الروائية الجزائرية فيروز رشام منصب أستاذة محاضرة في كلية الآداب واللغات بجامعة البويرة في الجزائر، حيث تجمع بين بعدين هما الإبداع والجانب الأكاديمي، حيث أصدرت سابقا دراسة نقدية بعنوان “شعرية الأجناس الأدبية في الأدب العربي: دراسة أجناسية لأدب نزار قباني”، وقد صدرت للكاتبة منذ أيام عن دار فضاءات للنشر والتوزيع بالأردن رواية مثيرة تحمل عنوان “تشرفتُ برحيلك”، وهي نص سردي ينقل القارئ إلى أعماق ما يعتمل في قلب المجتمع الجزائري من تناقضات.

تعد هذه الرواية أول إصدار روائي للباحثة، إلا أنه نص مميز وقوي فنيا وعلى مستوى المضمون أيضا. فهي رواية بعيدة عن التهويم الشعري، مكتوبة بلغة سلسة وبسيطة وأسلوب يمتزج فيه السرد الروائي بالحوار المسرحي، وبعض تقنيات التصوير السينمائي في صورة مزيج مركب.

التغيرات العميقة

يتميز الطرح في رواية “تشرفتُ برحيلك” بالجرأة والعمق بشكل لافت حيث شخصت الكاتبة المخلفات النفسية والاجتماعية العميقة للتطرف الديني الذي اجتاح الجزائر طوال فترة التسعينات وما بعدها، والذي أثر على فئات المجتمع المختلفة من رجال ونساء وأطفال. حيث تنقل فيروز رشام من خلال شخصياتها المواقف والعواطف على اختلافها، وتركز بشكل أساسي على معاناة المرأة التي تحاصرها العادات والتقاليد من جهة والفكر الديني المتطرف من جهة أخرى، من خلال شخصية معلمة تعرضت للعنف والاستغلال في زواج انتهى بالطلاق بعد إصابتها بمرض سرطان الثدي.

الرواية نوع من المعالجة السوسيو-نفسية للمجتمع الجزائري من بداية التسعينات إلى أواخر 2015 دون تحيّز أو اندفاع في مناصرة سطحية لقضية المرأة، فقد قدمت الكاتبة نماذج لمعاناة الرجال والأطفال أيضا، وكذا لنساء ساهمن بشكل ما في إعادة إنتاج ثقافة الذكورة. لذا يمكننا وصف هذا العمل السردي بالشهادة الفنية البعيدة عن الرواية/ الأطروحة التي تعاني منها معظم النصوص الجزائرية التي صدرت في العشرية الأخيرة.

ترى رشام أن التطرف الديني لم يفسد فقط العقليات والسلوكيات بل أربك العلاقات الاجتماعية وعقّدها إلى حد غير معقول، كما أزّم وضع المرأة بشكل كبير. تقول ضيفتنا “مشكلات كثيرة وانقسامات خطيرة حدثت في العائلة الجزائرية بسبب الفهم الجديد للدين، الذي لا يتفق عليه جميع أفراد الأسرة الواحدة. فالتدين بشكله الجديد مظهري أكثر منه أخلاقي، لذا يتصرف بعض الأفراد بشكل مناقض تماما لخطابهم اللغوي أو شكلهم الخارجي، ما أحدث لديهم نوعا من الانفصام. أما التطرف الديني فقد طمس الحريات الفردية البسيطة للرجل كما للمرأة، والأخطر من ذلك أنه أثر بشكل سلبي وخطير على تنشئة الأطفال. وللأسف فإن المخلفات النفسية والاجتماعية للعشرية السوداء التي عاشتها الجزائر لا تزال تطفو نحو الأعلى ونحن الآن نشهد على نتائجها الوخيمة”.

قالت رشام في بداية الرواية “إن قصص حياة الأفراد هي التاريخ الحقيقي للمجتمعات”. نسألها هنا إن كانت قصة شخصية فاطمة الزهراء، هي قصة المجتمع الجزائري؟ لتجيب الكاتبة بأن الرواية فعلا لا تنحصر فقط في قصة امرأة عانت من العنف الأسري، وخضعت لقوانين المجتمع الذكوري، إنما هي رواية ترصد التغيرات العميقة التي حدثت في بنية المجتمع الجزائري والتحولات التي مست مفاهيمه وثقافته وسلوكه اليومي بعدما استفحل التطرف الديني في فترة العشرية السوداء وما بعدها. وقد عالجت الرواية، كما تقول صاحبتها، عدة أوجه من معاناة المرأة بدءا بالعنف الجسدي والمعنوي، واستغلالها ماديا، ومصادرة حقها في التعبير عن رأيها، وعلاقتها بجسدها. وكذا مسائل أخرى كالحجاب، وعدم الاكتفاء الجنسي، وهشاشة مؤسسة الزواج، والطلاق.

رواية ترصد ظواهر خطيرة مسكوت عنها

حال المرأة

كان من المفترض أن يصبح وضع المرأة الجزائرية اليوم أفضل مما كانت عليه، خاصة بعدما أصبح حقها في التعليم والعمل بديهيا، وفي رأي رشام صحيح أن المرأة حصلت على حق التعليم والعمل لكن هذا لا يعني أن معاناتها انتهت. لهذا تعالج روايتها أيضا إحدى الظواهر الخطيرة المسكوت عنها، والتي تعاني منها الكثير من النساء العاملات، وهي الابتزاز المادي من طرف الزوج، حيث تكون موافقته على عمل الزوجة مشروطا بأن تمنحه راتبها الشهري بالكامل ومدى الحياة، والصادم، كما تقول الكاتبة، حين نعرف أنه حتى المرأة المتعلمة والتي تتبوأ مكانة اجتماعية من أستاذة جامعية أو طبيبة أو محامية لا تملك الحق في التصرف في مالها، بل وتستدين من أجل تلبية حاجاتها التي تكون أحيانا أكثر من ضرورة كالعلاج من مرض مزمن.

تتابع ضيفتنا “المرأة تتحمل جزءا من المسؤولية حول وضعها، وعليه لا ينفعها الاستمرار في لعب دور الضحية التي قهرها الرجل أو المجتمع، لأن ذلك لن يجلب لها سوى المزيد من الذل، وهذا هو الاستنتاج المرير الذي توصلت إليه شخصية فاطمة الزهراء، بعدما عاشت كل أنواع العنف والقهر. المرأة قادرة على قلب التاريخ إن شاءت لكن المشكلة أنها لم تؤمن بعد بأنها قادرة على ذلك. من الصعب الحديث عن تحرر المرأة من قيود الثقافة الذكورية التي تهينها وتذلها إن كانت المرأة نفسها قد آمنت بأنها ناقصة عقل ودين وأنها عورة أو أنها خلقت فقط من أجل حفظ النسل. الكثير من النساء يُعِدن إنتاج ثقافة الذكورة بامتياز بعدما تربين عليها وصدقن أنها القانون الطبيعي للحياة، لذا لا يمكن تحميل مسؤولية وضعها الاجتماعي البائس للرجل وحده فهي أيضا مسؤولة عن ذلك”.

تضيف رشام “حاليا توجد هوة ثقافية واجتماعية كبيرة بين الرجل والمرأة في المجتمعات العربية ولا داعي لجعلها أكبر مما هي عليه بالخطابات العدائية، ففي النهاية كلاهما تعيس. المجتمعات المتوازنة يكون فيها الحوار والاحترام أساس التعامل من أجل سمو الإنسان بغض النظر عن كونه ذكرا أو أنثى. عدو المرأة الحقيقي لم يكن يوما الرجل إنما الجهل، فالرجل أيضا هو ضحية ثقافة ساهمت المرأة في إنتاجها بشكل أو بآخر. الجهل هو الذي قاد المجتمع إلى اعتناق الأفكار الدينية المتطرفة التي حاصرت المرأة كما الرجل من كل الجهات وعقدت علاقتهما”.

في الرواية وقفة مؤثرة عن معاناة المرأة مع مرض سرطان الثدي. تحدثنا عنها الكاتبة تقول “عمر المرأة في ثقافتنا قصير جدا، يبدأ مع البلوغ وينتهي مع بداية سن اليأس، ينتظر منها فقط أن تؤدي دورها الاجتماعي ولو على حساب أحلامها وصحتها. المجتمع عموما لا يحب المرأة المريضة أو العليلة لذا فإن النساء المصابات بأمراض مزمنة يعانين بشكل مضاعف. سرطان الثدي مرض حساس جدا لأنه يمس أنوثة المرأة بشكل مباشر، ومن الصعب تصوير حجم المعاناة النفسية والاجتماعية التي تعيشها المرأة في حالة بتر أحد نهديها، وهي التي ينظر إليها بعين النقص حتى عندما تكون بكامل أعضائها، فماذا لو فقدت عضوا حساسا مثل النهد”.

15