الرجل في كتابات المرأة العربية: شاذ ومتسلط ومغتصب

قطعت المرأة العربية شوطا كبيرا في الكتابة التي استطاعت من خلالها أن تحقق ذاتها، وأيضا أن تنتصر لقضاياها الملحة، فصار لها صوتها الخاص ليس فقط في التعبير عن مشاعرها وإنما أيضا في الدفاع عن ذاتها في مقابل نظرة الرجل التي لم تتغير عنها، ولكن في المقابل خلقت المرأة كذلك صورا نمطية للرجل في كتاباتها.
السبت 2017/12/16
الرجل والمرأة في الأدب صور منقوصة (لوحة للفنان عصام معروف)

يقدم الناقد المغربي الكبير الداديسي في كتابه الجديد “أزمة الجنس في الرواية العربية، بنون النسوة” بحثا دقيقا في أسباب أزمة وتأزيم الجنس في أوطاننا العربية على حد تعبيره، وتحويل لحظات السعادة والمتعة إلى ضرب من العنف والمعاناة بسبب الرجل الذي ترى فيه المرأة كائنا شهوانيا ميالا للاغتصاب والانحرافات الجنسية، والمرأة التي لا يرى فيها الرجل إلا الجانب الأيروسي المثير للشهوة.

روايات تاء التأنيث

كان أحد الأسباب الدافعة للكتابة حول هذا الموضوع هو تدفق سيل الرواية النسائية مع بداية الألفية الثالثة، ومع هذه الزيادة الملحوظة في أعداد الروايات الصادرة في العالم العربي، وهيمنة المرأة على نسبة كبيرة منها نوعا ما، وهو ما يمثل ظاهرة إيجابية إلى حد كبير، إلا أن الكاتب يرى أن التأليف الروائي بصفة عامة لا يزال دون المستوى المطلوب، خاصة إذا قارنا بلدا مثل فرنسا تنتج في العام أكثر من 600 رواية كل سنة، وهو رقم بالنسبة إليه يتجاوز ما تنتجه الدول العربية مجتمعة.

ومع التراكم الكمي في الروايات التي تنتجها المرأة إلا أنه تظل لتيمة الجنس الهيمنة الكبرى، حتى أنها تفرض نفسها على كل قارئ لروايات تاء التأنيث، مهما كان حرصه على تجنب اختزال المرأة في الجسد على حد قوله. فيفرق المؤلف أولا في مقدمته بين الجنس والحب، فمفهوم الحب الذي تم استخدامه في الشعر يختلف اختلافا كبيرا عن المفهوم المتداول في الرواية، فالجنس كما يقول معْطى ملموس مرتبط بالجسد، والحب إحساس هلامي مرتبط بالروح.

وعلى تعدد الروايات النسائية في البلاد العربية من المحيط إلى الخليج التي تناولت هذه الظاهرة، إلا أنه يقدم منتخبات ممثلة لهذه الروايات في البلاد العربية، مصر والإمارات والسعودية والجزائر وتونس والمغرب واليمن والعراق، في ثمانية فصول يتناول كل فصل منها قطاعا يمثل إقليما وظاهرة بارزة فيه. وكذلك ساعيا إلى تقديم نظرة الكاتبات والروائيات إلى علاقة المرأة بالرجل. ويلفت المؤلف الانتباه في إشارة دقيقة في المقدمة إلى ما لحق تاريخ الكتابة النسائية من غبْن وتهميش.

ويشير الداديسي إلى أن ذكورية الرجل تعمدت إقصاء المرأة عند التأريخ لنشأة الرواية، فجميع المقاربات بدأت برواية “زينب” لمحمد حسين هيكل التي صدرت عام 1914، متغافلين جهود الرائدات من النساء العربيات وخاصة في بلاد الشام بكونهن أول من دشن الكتابة الروائية على نحو ما فعلت زينب فواز في روايتها الرائدة “حسْن العواقب” التي صدرت عام 1898، وبعدها بست سنوات كانت رواية “قلب رجل” للكاتبة لبيبة هاشم، ثم أصدرت في مرحلة لاحقة روايتيها “حسناء الجسد” 1898، و“شيرين” 1907، وإن كان المؤلف يلفت بطرف خفي إلى دور مصر المركزي في سعيها إلى التكريس لمشروع الريادة عبر تقديم رواية “زينب” على سائر الروايات التي صدرت قبلها.

الروايات التي جعلت من الأزمة الجنسية بؤرتها وتيمتها الأساس، سواء في المشرق العربي أو في مغربه تجنت على الرجل

ويربط المؤلف في كتابه، الصادر عن مؤسسة الرحاب الحديثة للطباعة والنشر ببيروت، بين أزمة الجنس والبيئات التي نشأت فيها، فالحرمان في مجتمع محافظ، هو ما قاد الأبطال إلى تحايلهم عليه للخروج من أسره، بالانحراف ومنه إلى الزهد في الجنس وفي كل الملذات كما صورت رواية “سلالم النهار” للكاتبة الكويتية فوزية الشويش وقد ربطت في روايتها بين البدون والاستغلال الجنسي، كما أنها أشارت إلى قضية العمالة العربية وغير العربية في الخليج، وحالات استغلال “الأغنياء ذوي الدماء الصافية” لذوي “الدماء الهجينة” في دواليب أعمالهم المشبوهة، كالمخدرات وتهريب البشر والمواد…إلخ. كما ربطت الروائية بين الجنس وثنائية الشرق والغرب.

ومن الأشياء اللافتة التي لاحظها المؤلف بعد دراسته لهذه النماذج المختلفة أن كل الروايات التي جعلت من الأزمة الجنسية بؤرتها وتيمتها الأساس، سواء في المشرق العربي أو في مغربه تجنت على الرجل وجعلت منه ظالما للمرأة، وفي الوقت ذاته أظهرت المرأة في صورة الضحية، وهذه مبالغة.

المقاومة بالبوح

يسبق المؤلف كل فصل بتمهيد يقدم فيه للرواية في الإقليم الذي يناقشه، وهو بمثابة رصد سوسيولوجي للرواية؛ فيقدم إحصائيات عن النتاجات الروائية في الأقاليم التي تحدث عنها، ونسبة المرأة في هذه النتاجات، وهو يميل في هذا الجانب إلى الدرس السوسيولوجي في جانبه المادي في الاهتمام بنسبة النشر والتوزيع، وهو ما يساعد على تقديم دلالة غير مباشرة على أثر المعرفة والثقافة في زيادة الوعي بالرواية وكتاباتها عند قطاعات مختلفة من المجتمعات المحافظة، التي ترى في البوح تعارضا مع الدين وخاصة عند النساء.

روايات تجنّت على الرجل

وإذا كان الرجل تحامل على المرأة في كتابته عنها وحصرها في إطار الجسد الضيق، فإن المرأة مع الأسف كرست لصورة وحيدة للرجل في كتاباتها، فدائما المرأة ضحية لسلطة الرجل وجبروته، وأنه هو من يلوثها، وأنها في الغالب فاشلة في مسايرة رغباته الجامحة والشاذة وإن فعلت فمكرهة ومجبرة. وقد تكون ثمة صور إيجابية قدمتها المرأة في كتابتها خلافا للصورة المشرقة التي قدمتها للأنثى باعتبارها مثقفة وذات سيادة تجاهد من أجل الاستقلال أو حتى حريصة على مواصلة رباط الزواج وإن بدا الزوج غير حريص على الاستمرار، بل والتحجج بأتفه الأسباب لقطعها، وفي المقابل بدا الرجل في بعض الروايات ميالا للاغتصاب، وخانعا ضعيفا لرغبات المرأة في بعضها الآخر كما في رواية “سعار” لبثينة العيسى.

على كل، كشفت هذه الكتابات في مجملها أثناء معالجات المرأة الكاتبة لعلاقتها الشائكة بالرجل، وإن كانت ثمة مبالغات في التصوير والتمثيل لصورة الرجل، وقد جاءت هكذا: أناني، سلبي، خانع،…إلخ، تطورا في وعي المرأة، فلم يعد الصمت هو آخر ملاذها كما كان سابقا، بل سعت للبوح وكشف هذه الإشكالية، دون أن تقف تشاهد الرجل وهو يغرز سيقان أكاذيبه في ذاتها، بل ويرى المؤلف أن بعض الكاتبات وعلى الأخص الخليجيات يسرن على خطى عبدالرحمن منيف في تعرية الواقع، وإظهار سلبياته دون الحاجة إلى التورية. ويسلط الكبير الداديسي الضوء على التداخل السوسيوثقافي وأزمة الجنس في المغرب، عبر تيمات متعددة كشفت عنها روايات كـ”الملهمات”، وكذلك تعامل المثقف مع الجنس، في مقابل تعامل القروي وخاصة القروية وصبرها على جبروت الحماة كما في رواية “عزوزة”، إلى جانب التعامل مع طرائق غير مألوفة كالشذوذ والشعوذة وهو ما نتج عنها تأزيم العلاقة كما في رواية “طريق الغرام”.

ويشير إلى أن العادات والتقاليد تشارك بنصيب وافر في تأجيج الأزمة، وهو ما كشف عنه المؤلف في الفصل الرابع عبر حديثه عن رواية “اكتشاف الشهوة” لفضيلة الفاروق، وكذلك في رواية “العمامة والطربوش”. ولم ينس المؤلف أن يشير إلى هذه الظاهرة عند المرأة المطلقة أو الأرملة على نحو ما فعل في الفصل الخامس عبر حديثه عن رواية اللبنانية نازك سابا يارد، وإن كان وضع الظرف اللبناني الخاص متمثلا في الحرب كأحد العوامل التي جعلت الأبطال يلجأون إلى الجنس.

16