الرجل يهيمن على كل شيء

الأحد 2015/02/01
المرأة لها دور البطولة في بعض هذه الثورات

لا تستهويني هذه المسميّات ولا التصنيفات، وفي الواقع إن هذه الظواهر اندثرت في الغرب، ولم يعد لها حيز من الوجود المؤثر، أرفض مثل هذه التقسيمات والتصنيفات، ولا أعتقد أنها توصلنا إلى مكان يمكن أن تجد فيه المرأة ذاتها، أو ما يدعم هذا الكيان، بل أخشى أن ما حدث عندنا هو استعمال مثل هذه المسميات لتحجيم أدب المرأة، وتصنيفه بعيداً عن الأدب الإنساني، وأنا لا أستطيع أن أفهم الأدب سوى بوصفه أدباً إنسانياً كتبه رجل أو امرأة. وأعتقد أن مصطلح «أدب نسوي» يحمل نظرة عنصرية نحو أدب المرأة من ناحية الجندر.

لكن من الممكن، تفكيكيّا، ورغبة في الدارسة ومعرفة مدى ما لحق بهذه الذات من ظلم، يمكننا الحديث عن أدب نسوي، أو نكون معنيين بالنظرة إلى الكون والحياة والمجتمع من خلال هذه الذات الأنثوية، وكيف تنظر الأنثى، من خلال ذاتها، إلى هذا العالم. وإلا فلا يمكن أن تُطلق تسمية أدب نسوي لمجرد أن من كتبه امرأة.

***

المرأة لها دور البطولة في بعض هذه الثورات، ولا يمكن أن نتحدث عن البطولة والتحولات ولا نأتي على ذكر دور المرأة الفلسطينية على مدار أكثر من نصف قرن، أو والدة محمد البوعزيزي في هذه الألفية. ولكن هل ظهر أدب خلال هذه الفترة يضاهي هذه التضحيات؟ هذا ليس مبكراً، وإنما لا نزال نعيش التحولات، وعادة مثل هذه الفترات لا تنتج أدبا يلمّ بهذه التحولات والتغيرات التي حدثت، إلا بعد مضي فترة زمنية تسمح بذلك، وهذا تقدير شخصي مني لأنني أؤمن بالزمن، مع أن لا شيء قطعياً في هذه المسألة.

***

لا أعتقد أنني أتحيز إلى جنسي إذا قلت إن المرأة العربية المثقفة، بكتاباتها الصحفية، أو حتى بوجودها على توتير، أو الفيسبوك، كانت واضحة المواقف وصريحة، لم تكن تنافق أو تتماهى مع رمادية آلة قمع هذه الثورات، أو دمويّتها، مثل بعض المثقفين من إخوتها الرجال، رغم قلة عدد الكاتبات مقارنة بالكتّاب.

تاريخ المرأة في البلدان العربية تاريخ ملحمي وبطولي، يمكن للشعر أن يقوم به ويحتويه

***

الخطر المتربّص أو الذي زحف على كثير من البلدان العربية، لا أظن أننا بعيدون عنه، وهو يلحق الضرر بالميراث الإنساني والتاريخي للإنسان، سواء من خطاب إسلامي متطرف، أو من قوى أخرى تمرر أجندات خارجية، أعتقد أن الكاتبة لا يمكن أن تشعر بكل هذا بشكل أحادي، وإن كنت أشعر بأنه من الظلم أن أخاف، لماذا عليّ أن أشعر بالقلق، بينما المرأة في العالم المتحضر تفكر بطريقة مختلفة. يبدو أن هناك محاولات نكوصية، أو ارتكاسية، للعودة إلى الوراء، خصوصا في بعض البلدان العربية التي أحرزت تقدما ظاهرا في حفظ حقوق المرأة، وتحقيقها لمنجزات نتطلع نحن إليها. لكن هل يمكن لهذه أن تعيد المرأة إلى الخلف فتتخلى عمّا حققته وضحّت من أجله؟ لا أظن، بل أظن أننا، على رغم كل القلاقل والأخطار المحيطة بالمنطقة، نعيش يقظة ديموقراطية عربية.

***

أخشى أن هذه التحولات الكثيرة والمفاجئة لا تتوافق مع الذات الكاتبة، التي تحتاج لسكون تبدع فيه، ورغم منجز المرأة الشعري الذي تفخر به، إلا أن الرواية هي منجزها الأهم بعد ألف ليلة وليلة، لسبب بسيط، أن تاريخ المرأة في البلدان العربية تاريخ ملحمي وبطولي، يمكن للشعر أن يقوم به ويحتويه، لكن المرأة أبدعت في كتابة الرواية، وانتصرت لأنوثتها في كثير من هذه الروايات والنصوص.

تخطيط ساي سرحان

***

الوضع العربي، حتى الراهن، لم يترك للمرأة غير خيارين، إما النكوص وراء والعودة إلى عالم الحريم وعبودية الرجل، أو التعرّي كرد فعل على استبداد الرجل الخالي من الرجولة، كما اقرأ ما تقوم به حركة “فيمين”، وهي إلى انتشار واسع في كثير من البلدان العربية، إنها حركة واعية جداً، وهي تنكر على الرجل رجولته المهيمنة.

***

يجب بداية أن نتفق على مفهوم الأنوثة في الكتابة أو الكتابة الأنثوية، وهذا مفهوم واسع ومفتوح على كثير من المقولات التي لا أظن أني أتفق معها على أنّ هذا هو معنى الأنوثة، أو أن هذا النص نصّ أنثوي لمجرد اقترابه من الجسد، في محاولة لتحطيم تابو اجتماعي، أو حتى ديني. وهذا ما يحدث غالبا، لكني في قرارة نفسي أؤمن تماما أنه لا يمكن أن تكون المرأة الكاتبة مبدعة وهي بعيدة عن أنوثتها وكيانها.

المشكلة أننا نواجه صنفين: كتابة تنفي أنوثتها وتتنكر لجنسها لكي تحظى بالقبول من الرجل، وكتابة أخرى تفتعل الأنوثة بشكل سطحي وغير واقعي أحياناً، معتقدة أن الأنوثة هي قلم الروج أو العباءة، وما إلى ذلك. لكن هل الكتابة الأنثوية بإمكانها مجابهة مجتمع مثل مجتمعنا؟ لا أعرف، ربما، فقد تغير مجتمعنا كثيراً، حتى أنني لم أعد أعرفه، لكني أعرف أنه على مستوى الحريات والقبول بحقوق المرأة ككائن آخر مساو للرجل ولها حق مثله تماما، كحقها في العمل والتملك وحقها بأطفالها، هذه الحقوق أعتقد أنها ليست مؤجلة فقط، بل فيها نظر، ولا أنكر بعض الإصلاحات التي طرأت على وضع المرأة في بلدي، لكنها لا تكفي. يحتاج وضع المرأة إلى إصلاح العديد من أجهزة المجتمع، وتربية المجتمع نفسه على قبولها واحترامها.

للأسف، المرأة ليست في وضع يسمح لها باقتراح ما، لأن الرجل يهيمن على كل شيء، وحتى عندما دخلت المرأة الأندية الأدبية لم تدخلها كشريكة للرجل في العمل الثقافي بل كشكل ظاهري فقط يدل على ادّعاء ما، والرّجل، من جهته، قام بتهميشها وتحييدها عن مراكز القرار والإدارة، رغم أن الأندية الأدبية هي أول الأماكن التي يجب أن تشارك فيها المرأة الرجل.


كاتبة من السعودية

16