الرجوع إلى المستقبل.. نوستالجيا الفن ملاذ البشرية من واقع مؤلم

يتجه البشر إلى الاحتماء بـ”النوستالجيا” من واقع مؤلم طغى على الأدب والفن والسينما والسياسة وبات معه الحنين إلى الماضي ملاذا آمنا، خصوصا للعرب، عبر برامج وأفلام ومسلسلات تذكر بحقب الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي.
الثلاثاء 2016/08/02
العودة للبحث في مكتبة نجيب محفوظ

لندن/القاهرة – تخيم النوستالجيا على كتاب ومفكرين ومخرجين وروائيين في أوروبا والشرق الأوسط يعتقدون أن حقبات عديدة من القرن الماضي كانت تمثل “المثالية” في عالم يموج بالصراعات.

ومن الأفلام إلى الروايات إلى البرامج الحوارية والمسلسلات التلفزيونية، بات المشاهدون العرب والبريطانيون على حد سواء معتادين على مشاهدة الجوارب والتنورات التي تعود إلى حقبة الثلاثينات إلى السبعينات، مقترنة بلغة حديثة لم تعد شائعة في عروض تلفزيونية تميل إلى استخدام لغة الشارع. كما امتدت “نوستالجيا منتصف القرن العشرين” إلى النقاد الأميركيين أيضا.

ويملك رون هوارد نظرية حول سبب نجاح مسلسل السيت كوم الأميركي “هابي داي”. ويقول المخرج، الحائز على جائزة الأوسكار، والذي لعب دور ريتشي كانينغهام في المسلسل، إن “مركزية الطلب على المسلسل تعود إلى الزمن الذي يعكسه وهو حقبة الخمسينات، أي قبل حرب فيتنام وزمن انتشار ظاهرة تعاطي المخدرات ومجموعات الهيبز (ظاهرة اجتماعية كانت بالأصل حركة شبابية نشأت في الولايات المتحدة في الستينات، كحركة احتجاج وتمرد على القيم الرأسمالية السائدة حينها) خلال سبعينات القرن العشرين، أي عندما كان المراهقون متحضرين في تعاملهم مع المسنين”.

وكان “هابي داي” – الذي استمر عرضه بين عامي 1974-1984 – بمثابة عودة إلى البراءة المفقودة التي سبقت فضيحة ووترغيت في الولايات المتحدة، إذ أعاد المسلسل الوضع السائد خلال الخمسينات من جديد في فترة السبعينات.

ويعكس الفيلم البريطاني الجديد المستلهم من رواية “سوالوز وأمازونز”، للكاتب آرثر رانسوم، وبطولة رافي سبال وكيلي ماكدونالد وأندرو سكوت، حالة نوستالجيا مماثلة.

ويعود مشاهدو الفيلم إلى عام 1935، أي قبل تعدد الثقافات في بريطانيا، أو تحول لندن إلى مدينة ذات طابع عالمي، وقبل انتشار زواج المثليين والميوعة الجنسية.

وتم تصوير الفيلم في عصر كان من السائد خلاله نوعان فقط من ملابس النوم، ولم يكن هناك أي سؤال أيهما كنت تختاره لترتديه إذا ذهبت إلى المحلات التجارية من أجل التسوق.

نوستالجيا العرب

عند تصفح صفحات من عدة دول عربية على موقع فيسبوك سيظهر بعض منها لم يكن يحظى بمتابعة كبيرة، لكن ذلك تغير تماما الآن.

النوستالجيا ظهرت بوضوح في رواية "ريلواي تشيلدرن" (أطفال السكك الحديدية) للكاتبة إديث نسبيت والرواية الأخيرة لميشيل ماغوريان بعنوان "غودنايت مستر توم"(ليلة سعيدة سيد توم)

وأسس سوريون صفحة “سوريا أيام زمان” لاسترجاع الذكريات القديمة التي يتمنون عودتها مجددا في بلد يصارع من أجل البقاء منذ أكثر من خمسة أعوام. كما أسس عراقيون صفحة “العراق أيام زمان” لتذكّر حقب من القرن العشرين كان العراق خلالها يتجه نحو مستقبل مغاير لما يحدث الآن.

وتنشر الصفحتان صورا من الماضي في محاولة للقفز على “المزاج العدمي للأجيال الجديدة” وجذب انتباه الكثير من الشباب لزمن آخر.

ويقول كثيرون ممن عاصروا حقبة الخمسينات والستينات إن الحياة حينها كانت تتصف بالرقي وكانت تسود أخلاق رفيعة، ولم تكن مساحيق التجميل تلطخ وجوه النساء، وكان الناس يتمتعون بذوق مغاير في الأدب والفنون وحتى في الموضة.

ويقول كثيرون إن ما ضاعف من أهمية الحنين للماضي هو بؤس الحاضر العربي والقسوة التي يرزح تحتها المواطن، وهو ما قاده إلى محاولة الهروب إلى النوستالجيا.

وقال بسيوني حمادة، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، لـ“العرب” إنه “من الضروري العودة إلى النوستالجيا الفنية في ظل الواقع السيء الذي تعيشه غالبية المجتمعات العربية، بسبب التأثيرات السلبية للعولمة والانفتاح وانتشار التكنولوجيا الحديثة والإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وغيرها مما يهدد بفقدان الهوية العربية”.

وأضاف أن “المجتمعات الضعيفة تأخذ من وسائل المعرفة الحديثة سلبياتها، مثل التأثر بالأفلام الجنسية، والعلاقات الإنسانية المنفتحة والقيم الفردية واستخدام الألفاظ السوقية والأزياء المشوهة، وهو ما جعل الهوية في مأزق، فلا هي عربية أو غربية”.

وحاول منتجون كثر مداعبة النوستالجيا العربية من خلال أعمال فنية وإعلانات اتسقت مع مظاهر الحياة خلال منتصف القرن العشرين وحتى الثمانينات والتسعينات.

وفي رمضان هذا العام أحال المسلسل الإذاعي المصري “فوازير فطوطة” مستمعيه إلى فوازير رمضان، التي كان لها صدى كبير لدى الأطفال. وأكمل مسلسل “نيللي وشريهان” الذي استغل أسماء الفنانتين الأشهر في مجال صناعة الفوازير الرمضانية، حالة العودة إلى الماضي.

كما حاول صناع الجزء السادس من مسلسل “ليالي الحلمية” استغلال الرصيد لدى المشاهد العربي للعمل الذي كتبه أسامة أنور عكاشة وأخرجه إسماعيل عبدالحافظ، وكان من بطولة يحيى الفخراني وصلاح السعدني.

واستعان مسلسل “أفراح القبة”، الذي عرض في رمضان الماضي، برواية الأديب الكبير نجيب محفوظ بأغان تراثية قديمة.

الحنين إلى لندن نهاية الخمسينات

ويقول أنور مغيث، رئيس المركز القومي المصري للترجمة، إن “الفجوة كبيرة بين حالة مثالية سادت في الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن العشرين، عكستها القيم الجميلة والفن البديع، وبين حالة واقعية تبدلت فيها القيم والمعايير لتحل مكانها الفهلوة والتشوه الاجتماعي والفني”. وفي أعوام سابقة أثار مسلسلا “حارة اليهود” و”الملك فاروق” اللذان تناولا حقبة الأربعينات في مصر ضجة كبيرة، ومهدا الطريق لانتشار حالة النوستالجيا ضمن قطاعات واسعة من المصريين.

وأطلق اتحاد الإذاعة والتليفزيون المصري مطلع يونيو الماضي، قناة “ماسبيرو زمان” على نايل سات، تحت شعار “من فات ماسبيرو تاه”، التي تهدف إلى بث تراث ماسبيرو بالأبيض والأسود من مباريات وسهرات وأغان ودراما.

وقال مغيث لـ”العرب” إن “في دراما وسينما الخمسينات كانت للفن رسالة هادفة في بث قيم وأنماط الحياة الجميلة والعلاقات السوية بين طبقات المجتمع، فعلى المستوى الفني كانت السينما تتسم بحرفية وتمكن الممثلين بعيدا عن التصنع، وكانت اللغة رقيقة وغير مبتذلة، والأزياء الحديثة والأنيقة التي يرتديها الكبار والصغار والمراهقون، وأيضا تسريحات الشعر وأزياء النساء والرجال كانت تجسيدا لنمط حياة يومي تسود فيه قيم الخير والجمال والاحترام”.

وأوضح أن “تلك الصورة البديعة لم تكن قاصرة على سينما الأرستقراط التي تصور حياة الباشاوات وتفاعلات حياتهم اليومية في القصور والسرايات وعلاقتهم بالحاشية، بل ظهرت في أفلام الحارة والطبقات الشعبية، حيث كانت تسود قيم ابن البلد الشهم والشجاع والذي قد يضحي بحياته أو بماله لإسعاد الآخرين”.

الاحتماء بأجواء المحافظة

في بريطانيا، حيث تسود نزعة يمينية انفصالية منذ استفتاء 23 يونيو الماضي، يحاول الكثير من الليبراليين والعلمانيين استيعاب التحولات المتسارعة التي يشهدها بلدهم.

وبدأ بريطانيون كثر في إعادة النظر في مفهوم الهجرة إلى بلدانهم، والانفتاح الثقافي و”الهوياتي” الذي باتت بريطانيا تتميز به منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ونفس الشيء يحدث في بلدان أوروبية أخرى ترزح تحت سيل من المهاجرين الفارين من مناطق النزاعات في أفريقيا والشرق الأوسط، فضلا عن مهاجرين اقتصاديين من كتلة الاتحاد السوفيتي السابق.

وفي الكثير من الأحيان، امتد الإحساس بالنوستالجيا من الآباء إلى الأطفال أيضا، خصوصا في دول أوروبا الغربية الأكثر استقرارا.

وشجع كتاب أدب الأطفال في بريطانيا مؤخرا على تغذية هذا الشعور، الذي قد يسهم في تنشئة جيل ثائر على التحولات الجذرية التي تشهدها المجتمعات الغربية اليوم.

وكان من المعتقد في السابق أن كتب “نوستالجيا الأطفال” وتكيفها مع الواقع، يكونان ممكنين فقط عندما يبتعد الآباء ويُسمح للأطفال باللعب.

بسيوني حمادة: من الضروري العودة إلى النوستالجيا الفنية في ظل الواقع السيء الذي تعيشه غالبية المجتمعات العربية

وظهرت النوستالجيا بوضوح في رواية “ريلواي تشيلدرن” (أطفال السكك الحديدية) للكاتبة إديث نسبيت، حيث يتم سجن رب الأسرة كذبا على أنه جاسوس، والرواية الأخيرة لميشيل ماغوريان بعنوان “غودنايت مستر توم” (ليلة سعيدة سيد توم) والتي تتحدث عن عمليات الإجلاء خلال الحرب العالمية الثانية.

وتم تصوير كلتا الروايتين كعملين سينمائين يجسدان بشكل مثير إنكلترا اللطيفة والبسيطة.

وحتى هاري بوتر، رغم أنه يتيم، فإنه يسير في حياة خيالية، إذ يأخذه قطار “هوغورتس” السريع بعيدا عن الخمول اليومي المعتاد لعائلته العبقرية.

ويصور الفيلم الشهير كيف أن حصوله على قطار “هوغورتس”، وهو قطار بخار قديم، أجمل بالنسبة إليه من ركوب قطار “بندولينو” المروع.

ويقول كثيرون إن الكتاب الغربيين والعرب لم يعودوا إلى معايير القرن العشرين حبا في الماضي وحسب، لكن بحثا أيضا عن إعادة توظيف الفن في تغيير الواقع، وليس العكس السائد اليوم.

ويقول نقاد سينمائيون إن ثمة علاقة تأثير متبادل بين الفن والواقع، فالفن سواء السينما أو الدراما انعكاس للواقـع بعلاقـاته الإنسانية وقيمـه السائـدة، وفي ذات الـوقـت يسعـى الفن لتغيير هـذا الواقـع إلى الأفضـل.

وكان الفن، العربي أو الغربي، في الماضي يسعى لتغيير الواقع وحالة الظلم والتفاوت الشديدة في المجتمع. ونجحت أفلام عربية في تجسيد ذلك، منها فيلم “رد قلبي” 1957، سيناريو يوسف السباعي ومن إخراج عز الدين ذو الفقار، الذي طالب بإزالة الفوارق الطبقية وتحقيق المساواة.

وحاول فيلم “الأيدي الناعمة” عام 1964، قصة توفيق الحكيم وإخراج محمود ذو الفقار، إيصال الرسالة نفسها.

وافتقد الفن المعاصر مفهوم الرسالة في تغيير الواقع، فكان متغيرا تابعا له، واتسمت غالبية المسلسلات وأفلام السينما بتقديم واقع مشوه دون أن تسعى إلى تغييره وتبديله إلى الأفضل.

ويقول الناقد الفني المصري أحمد يوسف لـ”العرب” إن الأعمال التي تقدم الآن “لا تعكس الواقع العربي أو قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، وتبث قيما وعادات تبدو غريبة وتنشر الأجواء المرعبة، لذلك كان هناك استحضار للماضي والحنين إليه لإعادة اكتشاف النفس البشرية ولأشياء كثيرة اختفت منذ زمن طويل”.

13