الرحالة وسراي السلطان: بشاوات وسفراء وحريم

الأحد 2014/07/27
رواق في جوار الحرملك في أحد قصور آل عثمان

من الصعوبة بمكان، إن لم يكن من الاستحالة الدخول إلى سراي السلطان ومعرفة ما يجول داخل جدرانه المغلقة، أو التقاط شيء من أسراره الغامضة نظرا للحدود الصارمة جدا، التي كانت تفرض على هذا العالم وتحول دون اختراقه أو التسلل منه، إذ لا تسامح أبدا مع من يحاول هذه المغامرة المتهورة.

رغم ذلك هناك من استطاع أن يتخطى هذه الحواجز المنيعة، من خلال تواطؤ بعض الموظفين داخل هذا السراي طمعا في الرشوة، كما سنجد ذلك في كتاب “سراي السلطان” للسفير الإيطالي لدى السلطنة العثمانية أتفيانو بون، الذي جاء إلى إسطنبول بمهمة سفارية من قبل حكومة البندقية في إيطاليا.

تعد هذه الرحلة من الرحلات السفارية التي يتجاوز فيها الرحالة الأخبار السياسية ووقائع مباحثاته الرسمية، إلى وصف مشاهداته للمكان وللحياة العامة بما فيها نظام الحكم والإدارة ومظاهر الحياة المدنية والعادات والتقاليد السائدة بين الناس.


مشاهدة ونقل


لعل أهم ما يتضمنه الكتاب هو الوصف الذي يقدمه لقصر باب المدفع أو قابو سراي الذي بناه محمد الفاتح بعد فتح القسطنطينية ودعاه بالقصر الجديد لكونه يقع قبالة القصر القديم. بقي هذا القصر مقرا للسلاطين العثمانيين حتى القرن التاسع عشر.

يعترف الرحالة بون بأنه لم يستطع دخول القصر إلا إلى البوابة الثالثة بالتواطؤ مع رئيس البستنجي باشا أثناء غياب السلطان، ولذلك يشير إلى أن معظم المعلومات التي يقدمها مصدرها النقل عن مؤلفين أو رواة آخرين.

الرحالة لا يتوقف في كتابه عند وصف القصر السلطاني بل هو يتحدث عن عادات السكان وكيفية ممارستهم لشعائرهم الدينية واحتفالاتهم الدينية بعد أن عايشها عن قرب أثناء إقامته التي امتدت أربع سنوات. المميز في كتابة بون عن رحلته هو اهتمامه المكثف بالحديث عن الوظائف العثمانية، وتوصيف أصحابها وضبط الألقاب التي كان يحملها الموظف، إضافة إلى الحياة الاقتصادية للدولة، من ضرائب وأنماط الاستهلاك الشائعة. أهمية هذا الكتاب ظهرت من خلال ترجمته إلى لغات عديدة، وانتحاله من قبل رحالة آخرين، إلى جانب تضمين أجزاء واسعة منه في كتب رحالة آخرين، ما يدل على الأهمية الخاصة التي كان يحظى بها هذا الكتاب في الثقافة الغربية.


الدبلوماسية العثمانية


أول الرحالة الذين قاموا بانتحال هذا الكتاب هو تومازو ألبيرتي في كتابه “رحلة إلى القسطنطينية”، على الرغم من محاولته في الجزء الأول من رحلته إظهار التباين بينه وبين كتاب بون من خلال اللغة والأسلوب المختلفين، لكنه في الجزء الخاص بوصف قصر السلطان يقدم وصفا يكاد يكون مطابقا لوصف كتاب سراي السلطان. ومن الكتّاب الذين اقتبسوا عن كتاب بون روبيرت وذيرز الذي قدّم ترجمة شبه حرفية لكتاب بون. يهتم كتاب سراي السلطان أولا بتقديم عرض واف لتاريخ الدبلوماسية عند العثمانيين، الذين ظلوا لفترة طويلة لا يشعرون بالحاجة إلى الدبلوماسية، لذلك لم يكن لهم سفراء في البلدان التي ترتبط معهم بعلاقات سياسية وتجارية على خلاف الدول الأوروبية.

هذا الموقف بدأ بالتغير في أواخر القرن السابع عشر وأثناء القرن الثامن عشر بعد الهزائم التي منيت بها الدولة من قبل النمسا وروسيا. السفارات العثمانية شملت في البداية الدول الصديقة ثم البلدان المعادية، وهنا يتحدث الرحالة عن جانب مهمّ من تطور الدولة العثمانية تمثل في الدور الذي لعبه الدبلوماسيون العثمانيون في أوروبا في حركة التغريب التي شهدتها الدولة في المجالات السياسية والثقافية والعسكرية.


سراي السلطان


يحتل وصف سراي السلطان الجزء الأكبر من كتاب الرحلة، ولعل هذا الوصف الموسع الذي يقدمه الكتاب هو الذي أغرى الكتّاب والرحالة الآخرين بانتحال هذا الجزء، لاسيما أن الوصف العياني للحياة داخل القصر يكاد يكون شبه مستحيل، وهو الأمر الذي عزز الرغبة القوية عند الأوروبيين، بفعل كتابات المستشرقين عن شرق الشهوات وعالم الحريم، بمعرفة ما يحدث خلف أسوار هذه القصور المنيعة على الاختراق.

وصف سراي السلطان يحتل الجزء الأكبر من كتاب الرحلة

هذا الإغراء هو الذي دفع بالرحالة الأوروبيين لانتحال هذا الجزء الخاص بوصف سراي السلطان. يصف الرحالة أولا موقع القصر المقام مكان القلعة البيزنطية في مكان يطل على مصب البحر الأسود وبحر إيجة. يحيط بالقصر سور عال محصن بعدة أبراج ويشغل مساحة ثلاثة أميال، وله عدة بوابات من البر والبحر. البوابة الرئيسية هي التي يدخل منها الجميع بينما البوابات الأخرى تظل مُوصدة ولا تفتح إلا بأمر من السلطان. تحرس البوابة الرئيسية فرقة كبيرة من القابيجية (البوابين) في النهار، وفي الليل تتولى الحراسة فرقة أخرى منهم. وإلى جانب البوابين هناك مجموعة من الانكشاريين خارج البوابة. حول أسوار القصر هناك أبراج على مسافات متباعدة . يتألف السراي من غرف ملكية كثيرة مسكونة طيلة فصول السنة بعضها بُني على الأرض وبعضها الآخر فوق مرتفعات طبيعية أو على البحر ويقيم فيها السلاطين للاستجمام وحيدين أو برفقة النساء.


قاعات القصر


يحتوي القصر على قاعات كثيرة بعضها مخصص لاستقبال السلطان للسفراء والباشوات في أيام الديوان العام، وهي تقع في فناء صغير مستقل مزينة من الخارج بنوافير مياه فخمة وكثيرة. جدران القاعة مرصعة بأحجار بيضاء مزخرفة بألوان مختلفة بينما الأرضية مفروشة بسجاد فارسي من الذهب والحرير. أما جناح النسوان الذي تقيم فيه السلطانات والنسوة الأخريات من إماء السلطان فيشتمل على وسائل الراحة من غرف نوم وصالات طعام وقاعات وحمامات، إضافة إلى الحدائق الفسيحة التي تتوزع فيها النوافير الكثيرة وأشجار الفاكهة والأزهار. وهناك مبنيان فاخران وكبيران منيعان جدا أحدهما للخزنة والآخر للملابس السلطانية. داخل السراي هناك المساجد والحمامات والمدارس ومستودع الأسلحة والاسطبلات والمطابخ ومخازن المؤونة ومستشفى وساحات للقتال ورمي القوس والاستعراض.

الدخول إلى السراي يمر بعدة بوابات يكون الدخول إليها منظما ومحكما، وهي محروسة جيدا. لكن أهمها هي باب السعادة الذي يأتي عند البوابة الثالثة التي تفضي للقسم الخاص باستعمال السلطان الشخصي والخدم الذين يقومون على خدمته وهنا يعترف الرحالة بأنه ما من أحد يستطيع الدخول من هذه البوابة دون إذن من السلطان. كذلك يفند مزاعم الرحالة الغربيين بالحديث عما يحدث داخل هذه الغرف، لأنه ما من أحد يستطيع دخولها أو أن يرى ولو جزءا بسيطا منها في غياب السلطان.

يسهب بون في وصف أجزاء القصر وما ينطوي عليه من جمال وروعة في الهندسة والبناء الذي يستخدم فيه المرمر والنقوش المذهّبة. كذلك يسهب في وصف غرف نوم السلطان واليوان خانة، إلى جانب وصف وقت الغداء فيه، وكيفية الدخول على السلطان من قبل الموظفين والانكشاريين والسفراء الأجانب أيضا.


حريم السلطان


أكثر ما شغل المخيال الغربي وبنى حوله الأساطير والغرائب هو عالم الحريم في قصور السلاطين والحمامات، حيث أفاضوا بصورة عجيبة في وصفها المبالغ كثيرا فيه إرضاء لتلك الرؤية البدائية إلى عالم الشرق.

في هذا الكتاب يروي بون العادة التي يتبعها السلطان في اختيار المرأة التي ستشاركه ليلته فيؤكد بداية أن السلطان لا يرى ولا يقارب النساء الموجودات هناك إلا عندما يتم تقديمهن إليه، فيختار واحدة منهن لنفسه أو لأجل النظر إليها وهي تلعب أو وهي تعزف. المرأة المسؤولة عن الجواري تجعل الفتيات الجميلات يصطففن على طرفي القاعة بينما يقوم السلطان بالمرور بينهن عدة مرات حتى يختار واحدة منهن، وقبل أن يغادر يرمي بمنديل في يدها فتكون هي المحظية لتلك الليلة.

لكن السؤال هو كيف استطاع الرحالة الوصول إلى معرفة ما يحدث داخل هذا الجزء من القصر وهو الذي يعترف أنه لم يتجاوز الباب الثالث من القصر؟

لاشك أن رشوة من يعملون في هذا القسم هي التي سمحت لبعضهم بالحصول على هذه المعلومات من العاملين في هذا المكان، وقد قام الرحالة بنقل هذه المعلومات عن بعضهم البعض دون الإشارة في الغالب إلى مصدرها الرئيس، أو معرفة مدى صدقها.

الأجزاء الأخرى من الكتاب تقدم وصفا لزواج السلطان ومحارم السلطان واليهوديات في سراي السلطان. الكتاب رغم حجمه المتوسط يقدم وصفا شاملا ومكثفا لمدارس السراي وخدمها والباشوات ومقتنيات السراي وللخصيان البيض والسود وأبناء السلطان ومطابخه وكيفية خروجه، إلى جانب تعدد الزوجات عند الأتراك وسوق العبيد ومراسم الزواج والوظائف الدينية والتكايا والجوامع وحياة الدراويش والزهاد والجوامع والمشافي وختان الأبناء حيث يغطي كافة مظاهر الحياة الاجتماعية والعمرانية والسياسية في بلد شكل إغراء حقيقيا للاكتشاف بوصفه المختلف والغريب الذي اجتاح بجيشه بلدانا واسعة من القارة الأوروبية.

12