الرحلة الأليمة للكتاب من المؤلف إلى القارئ

الأحد 2017/11/12
شاقة ومريرة رحلة الكتابة من المؤلف إلى القارئ

تواجه صناعة النشر تحديات وأزمات كثيرة تزداد رسوخا وتتسع مساحاتها في ظل انعكاسات الأوضاع الاقتصادية المضطربة عربيا وإقليميا، فمثلا في مصر أدى تحرير سعر صرف الدولار إلى قفز أسعار الورق والأحبار وتكلفة الطباعة بشكل عام، هذا فضلا عن تراجع القوى الشرائية وعدم وجود آلية للتوزيع وقرصنة الكتب ورقيا وإلكترونيا، وعلى الرغم من ذلك يسعى الناشرون إلى المقاومة ومحاولة تجاوز هذه التحديات والتغلب عليها.. وفي هذا التحقيق توجهنا إلى الناشرين للوقوف على رؤيتهم للتحديات واقتراحاتهم لتجاوزها.

بداية رأت فاطمة البودي مدير دار العين أن أهم مشكلة تواجه الناشرين الآن انخفاض المبيعات في المكتبات بما يعني تراجع الدخل من بيع الكتاب، المشكلة الثانية الهجمات الأمنية على المكتبات والرقابة التي ظهرت فجأة، وهذه جعلت الناشر يفكر مليون مرة في الموضوع الذي سيقوم بنشره، لأنه لا أحد يعلم ماذا سيكون المصير، هذا بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الورق المهول وارتفاع أسعار الطباعة الأمر الذي رفع سعر تكلفة طباعة الكتاب أضعافا مضاعفة في الوقت الذي لا نستطيع رفع السعر على القارئ، ومن هنا نكتفي بهامش ربح بسيط جدا.

فاطمة البودي: الرقابة على الكتب مشكلة العالم العربي

ولفتت إلى أن المشكلة في العالم العربي تتمثل في الرقابة على الكتب، فعندما تشارك في معرض تجد ثلاثة أرباع كتبك ممنوعة ولا تستطيع الاعتراض، فالرقابة هنا مشكلة كبيرة، في فترات سابقة كانت السعودية الوحيدة التي لا تضع كتبا في المكتبات إلا بعد فتحها من جانب الرقابة أو وزارة الإعلام، الآن القرار يسري في كل الدول، وهذا أمر مزعج جدا، والحقيقة أننا لا نعرف إلى أين سيصل بنا الأمر؟

وأكد شريف بكر مدير دار العربي للنشر أن التحديات هي الوصول للقارئ، وقال “أعتقد أن حجم مصر والعالم العربي وحالته على ما هي تكفي لقيام صناعة نشر كبيرة وقوية. فَلَو أن نسبة واحد في المئة فقط تقرأ تجعلنا سوقا مكونة من حوالي 3.5 إلى 4 مليون قارئ على أقل تقدير. لكن المشكلة في مصادر معرفتهم بالكتب وطرق الحصول عليها. وما يقابل هذا من مشاكل في الرقابة واختلاف الأسعار ومستويات الدخل وصعوبة الوصول للقارئ في دول أخرى. مع مشكلة القرصنة التي تسبق وتقضي على أيّ فرص في تحقيق ربح وخصوصاً القرصنة الإلكترونية”.

عدم وجود آلية للتوزيع

ورأى محمد البعلي مدير دار صفصافة أن أبرز التحديات التي تواجه الناشر المصري هي عدم وجود آلية وطنية للتوزيع.. فكل ناشر عليه أن يأخذ على عاتقه عبء التواصل مع عشرات المكتبات وإرسال الكتب إلى أطراف البلاد، وأحيانا تحمّل مخاطرة عدم سداد المكتبات لمستحقاتها.. ولك أن تتخيل حجم الاستثمار الذي يجب على الناشر الصغير أن يستثمره لكي ينشأ قنوات توزيع مستقرة.. ويضاف إلى ذلك مشاكل التمويل فهناك صعوبة كبيرة في الحصول على تمويل بنكي للشركات الصغيرة عموما ولدور النشر خصوصا وبالتالي علينا أن نموّل كافة التوسعات من مواردنا الذاتية، وهنا يظهر تحديا آخر خاصا بمصر وهو انخفاض سعر العملة بعد التعويم.. الأمر الذي يجعل السفر للمشاركة في المعارض العربية مغامرة مالية كبيرة واستثمارا ضخما قد لا يستطيع أن يقوم به كل الناشرين خاصة الصغار منهم.

الناشرون تحديا

ورأى الناشر الأردني جعفر العقيلي مدير الآن ناشرون وموزعون أنه لا يمكن النظر إلى حال النشر في الوطن العربي بمعزل عن حال الثقافة والمعرفة وتلقيهما، سواء أكان النشر ورقياً أم إلكترونياً. وقال “مما يؤسف له أن كثرة كثيرة من الناشرين العرب ما زالوا لم يعتمدوا معايير جديرة بالثقة وبتأسيس علاقة من الثقة مع الكاتب، ومثلها مع القارئ. إذ تفتقر هذه ‘الكثرة’ إلى لجان علمية أو استشارية حقيقية أو ذات مصداقية تنظر في محتوى ما يمكن أن يصدر عنها، ويفضّل الناشر عموماً التعاطي مع الكتاب بوصفه سلعة أو منتجاً تكون حدود مسؤوليته فيه واضحة هي نوع الورق والتنسيق والمراجعة اللغوية والغلاف. أما المحتوى فليس من شأنه، وليس مسؤولاً للدفاع عنه. وهذه معضلة لأنها تتعلق بحسابات الربح والخسارة، وفي حال مراعاتها فإن الناشر قد يغامر بفقدان عدد كبير من الكتاب الذين يمنحونه انتشارا أفقياً يمكّنه من الاستمرار في مشروعه “التجاري”، لكن هذا لن يفضي إلى انتشار “نوعي” بأيّ حال من الأحوال.

شريف بكر: أبرز التحديات هي الوصول للقارئ

وأضاف العقيلي أنه في ظل الجغرافيا المتشظية والفسيفسائية في الوطن العربي وفي ظل ازدياد كلف النقل والتوزيع بموازاة قلّة عدد القرّاء (المستهلكين)، فإن الأمر يبدو شبيهاً بـ”مكانك سِرْ”، وأضرب مثلاً من بلدي؛ الأردن، فكلفة إيصال خمس نسخ من كتاب ما إلى مكتبة في إحدى المدن (خارج العاصمة)، قد تزيد على أيّ مردود يمكن أن يأتي من بيع هذه النسخ، حتى لو بيعت من دون أيّ خصم تشجيعي. بمعنى أنها تجارة ‘خسرانة’. أيضاً لم تصل دور النشر بعامة إلى تشكيل طواقم من المحررين الأكفاء، وبعضها لا يكترث إن صدر الكتاب مشوباً بمجازر لغوية، ما دام صاحبه وافق على الطباعة، وهذا في أحد وجوهه مرتبط بالكلفة، إذ لا يجرؤ الناشر على أن يطلب من المؤلف مبالغ ‘خيالية’ لتسيير صناعة الكتاب في مراحلها المختلفة، خشية أن ينظر إليه على أنه ‘جشع’ و‘طمّاع’. ناهيك عن أن الكاتب يشعر بالضيق، فكيف يستقيم الأمر في ذهنه حين يعتقد أنه مبدع، لكنه مضطر لأن يدفع للناشر لطباعة كتابه ثم يكون المردود أو المقابل الحصول على نسخ من الناشر وكأنه يشتري إبداعه”.

وأشار إلى أن الأسواق العربية شهدت تراجعاً كبيراً بأسعار المطبوعات الورقية، بخاصة مع انتشار ظاهرة الطبعات الشعبية. فضلاً عن أن الكتاب الإلكتروني لم يحقق بعد سقف التوقعات بالانتشار، فما زالت الشركات التي تتولّى توفيره للقرَّاء بأسعار رمزية قليلة العدد نسبياً، بل وهي أيضاً قليلة التأثير في المشهد. ويرى أن علينا أن نستفيد من تجربة الغرب في هذا السياق، وأن نطلع على جديدهم في عالم النشر الإلكتروني، وفي الإجراءات الكفيلة بحفظ حقوق الأطراف جميعاً، الناشر والمؤلف وأيّ جهة أخرى ذات علاقة، وبالتوازي لا بد من عقد ورش متخصصة للعاملين في قطاع النشر بشقّيه الورقي والإلكتروني للارتقاء بصناعة النشر وتعزيز حضورها من دون أن يهيمن طرف على الآخر.

الشللية تحكم

أوضحت بيسان عدوان مدير دار ابن رشد أن هناك معوقات كثيرة تواجه قطاع النشر بشكل عام أولها الخلط ما بين دور النشر الكبيرة والتابعة للدولة وبين الناشرين الجدد، منها فرض معايير محددة ونمط وأشكال وأقطاع للكتاب والترويج لها وكأنها الثابت من الدين بالضرورة، ومنها إعاقة توزيع كتب الناشرين الجدد من عرض منتجهم في نوافذ البيع الخاصة بهم والتقليدية. ثانيا الشللية التي تحكم قطاع النشر والترويج فيما بينهم والمضايقات التي تنال من هو خارج تلك الشللية وخارج مناطق نفوذهم كما أنهم يفرضون بتلك المعايير نمط تعامل مع الكتاب. ناهيك عن مشكلة البيع خارج مصر أي في الأسواق العربية فهم يسحبون منطق الشللية والمصالح عليه فيعيق بشكل ما البيع خارج السوق المحلي ويجبر الناشرين الجدد علي اللجوء للوسيط الموزع الذي يشارك الناشر في أكثر من 50 بالمئة من أرباحه وعادة ما يكون الموزع الوسيط هو أحد أذرع الناشرين الكبار.. هناك مسألة أخرى هي تركيز بيع الكتاب في العاصمة فحسب دون الانتباه إلى الأقاليم التي تحتاج إلى منافذ بيع وإلى ما يسمي بالكتاب الاقتصادي أي ذي التكلفة المتوسطة ليناسب السوق المصرية.

بيسان عدوان: علاقة الكاتب بالناشر لا تزال ملتبسة

أمر آخر يشكل معضلة ويتمثل في علاقة الكاتب بالناشر أو العكس صحيح، حيث لا تزال علاقة ملتبسة وبها الكثير من الإشكاليات خاصة لسيطرة مفاهيم مغلوطة في الترويج العادي والحديث الذي أفقدنا كثيرا من المحتوى وضعفه، فصارت العلاقة يحكمها الكاتب الذي يتبعه كثير من المتابعين علي صفحات السوشيل ميديا، أولئك من يحدّدون شكل وطبيعة ونظام العلاقة سواء الفنية أو المالية، مما يضع الناشر والكاتب علي حد سواء تحت طائلة “الجمهور عايز كده”، وصحيح أن هذا كان سببا في ترويج الكتاب وانتعاش سوق النشر في السنوات الأخيرة لكن ذلك كان على حساب المحتوي والقالب الفني المقدم به، لذا خرجت علينا موضة الأدب التجاري أو أدب الرعب وأدب صفحات التواصل الاجتماعي، لكنها ظواهر ستنتهي بمرور الوقت وندين لهم بإعادة ثقافة القراءة التي اختفت من المجتمع المصري.

حرب اليمن

عبد العظيم جازم المسؤول التنفيذي بمؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر بالقاهرة يقول “على مستوى بلدي اليمن تواجهنا الحرب بويلاتها وهذا هو التحدي الأعظم في كل الوطن العربي، فلا تصل الكتب في الوقت المطلوب بل قد تضل في الطريق إلى البلد، وهو ما تعاني منه كل الدور بخصوص اليمن ودول الحروب. ثمة متوالية من التحديات تعيق النشر في الوطن العربي منها ما يتعلق بسيطرة نمط من الكتب المجانية سريعة الانتشار والبيع الفوري وألمّح إلى كتب إدارة الذات ذات المعنى البسيط والمنطلقة من منطق شبيه بتلك الفنقلات القديمة كقل ولا تقل والتي أصبحت افعل ولا تفعل ومن هذه التحديات سيطرة البعد التجاري على ثقافة النشر حيث يكاد يختفي المعنى الثقافي لدى الأغلب. ومن التحديات أيضا صعوبة الحصول على تأشيرات الدخول لكثير من البلدان العربية للأسف الشديد وتأخرها في أحسن الأحوال”.

تحديات من المؤلف للموزع

أحمد سعيد عبدالمنعم مدير دار الربيع العربي لفت إلى أن تحديات مختلفة تبدأ بالتواصل بين الكاتب والناشر، مطالبا بضرورة وجود أولا الوكيل الأدبي، وثانيا التحرير الأدبي حيث لا يوجد ممتهنون لهذه المهنة المهمة جدا إلا نادرا. وقد لا نجد محترفا بارعا فيها سوى شخصين أو ثلاثة في حين تصدر كل عام الآلاف من الأعمال الأدبية.

وفضلا عن مشكلتي الكاتب والتحرير الأدبي قال “الحال نفسه مع الفنانين الذين يصممون الأغلفة، الغالبية غير موهوبة وقلة قليلة تجيد إبداع فكرة لغلاف الكتاب الذي عدّه النقاد عتبة للنص، وأظن أن على كليات الفنون تخصيص مادة أو مقرر دراسي يقرّب المسافة بين الفن والإبداع المكتوب ويوثّق لدى الدارسين أنه يمكنهم تبنّي رؤية فنية مكتوبة والتعبير عنها بالفن. وهكذا تسير مع الكتاب تحديات صدوره من عدم وجود مصانع ورق في مصر نضطر للاستيراد بالدولار فيزيد سعر الكتاب ويصعب وصوله للقارئ بسعر جيد.

جعفر العقيلي: الكتاب الإلكتروني لم يحقق بعد سقف التوقعات بالانتشار

بعد صدور الكتاب نواجه لهاث المكتبات الكبرى على عرض وترشيح وبيع الكتب الرديئة ذائعة الصيت لأسباب غير وثيقة بالثقافة ولا الفن. فبعض الوسطيين والمتأسلمين يكتبون روايات تعبر عن شرائح من الملتزمين دينيا تكتبها منتقبة أو ملتحٍ لا علاقة لهما بالرواية وتقنياتها وسردها ولغتها. خطابة مقنعة بالرواية. فتتصدر المبيعات فتعرضها المكتبات الكبرى التي تزعم أنها راعية للثقافة ليل نهار. وترفض عرض عمل فني مبهر لأنها تظنه لن يبيع مئة نسخة في المجمل. ولا تلتفت له إلا حين يفوز بجائزة كبرى فتعرض باستحياء القليل من نسخه لئلا يفوتها الواجب.

وأوضح عبدالمنعم أن المكتبات الصغيرة في عموم مصر تحتاج لشركة توزيع تتابعها لكي لا يكون مفروضا على الناشر أن يرسل مندوبا كل شهر لكل المحافظات يجمع القليل من المال وينفق أكثره. وحتى الآن في مصر التي عرفت الطباعة والنشر منذ عشرات السنين لا توجد شركة توزيع احترافية بخلاف المؤسسات الحكومية التي ضربها الروتين والبيروقراطية. ولا تتوقف التحديات من صحافة ثقافية لا تعرف غير الأصحاب والشلل والمجاملات. فقط ينشرون عن الأعمال الجيدة خارج شللهم في حال وصولها لجائزة ما أو حدوث مشكلة وضجة بالمنع أو غير ذلك. لمجرد ألا تفوتهم الموجة.

حقوق الملكية الفكرية

محمد جميل مدير كيان للنشر يرى أن أكبر التحديات التي يواجهها الناشر العربي هو ضعف حماية حقوق الملكية الفكرية في الدول العربية، حيث يتسبب ذلك في خسائر بمئات الملايين لدور النشر العربية ويضعف قوة النشر والثقافة العربية في مواجهة مثيلاتها على مستوى العالم. وقال “ستجد كل الكتب الأكثر مبيعا تباع على أرصفة أغلب الدول العربية بنصف الثمن وأحيانا أقل نسخ مقلدة أو مزورة لا ترقى لمستويات الطباعة المطلوبة ولا حتى خاماتها معلومة المصدر فمن الطبيعي أن تستخدم خامات قد تكون مؤذية للصحة.

مبيعات تلك الكتب تتعدى مبيعات المكتبات الكبرى في الوطن العربي مجتمعة عدة مرات، ولا عائد منها لا على الدولة أو الكاتب أو الناشر أو أيّ كان.. الحل في رأيي أن يتم تغليظ عقوبات جرائم التعدي على حقوق الملكية الفكرية بالتزامن مع حملات إعلامية قوية لتوعية الجمهور بخطورة هذا الوضع وخطئه من الناحية القانونية والناحية الشرعية أيضا والالتفات لأثر هذه الكارثة يجب أن يكون سريعا. فكلما زاد هذا الأمر كلما قل ما يكتبه المبدع الذي لا يمكنه التفرغ للكتابة لأنها لا تفيه حقه. وهو ما سيساهم في تأخر الثقافة العربية أكثر فأكثر، واضمحلالها تمهيدا لاختفائها في حين تنتشر وتتوغل فيه ثقافات أجنبية لتسد فراغات تركتها الكتب العربية. في بعض الدول العربية فهم قادتها أهمية الثقافة والعلم فبدأنا في دعمها ودعم القراءة بشكل عام وهو أمر رائع نتمنى أن يحدث في بقية الدول العربية كي لا تغرق أكثر في مستنقع الجهل التي تقبع فيه منذ مئات السنين”.

12