الرحلة الحسية نحو مجتمع بلا عنف

الخميس 2014/11/13

تعنيف المرأة، موضوع شائك يشغل كل المجتمعات على اختلافها، يٌفعل من أجله الكثير، لكن التغيير لا يأتي، لأسباب كثيرة أهمها العامل النفسي الذي يدفع الرجل إلى ضرب المرأة أو حالة “الإشباع” التي يصل إليها سواء بمفرده، أو في حالات نادرة، مع المعنفة، في أوروبا استحدثوا مراكز إيواء لاستقبال المعنفات وإعادة تأهيلهن نفسيا واجتماعيا، قبل أن يسمحوا لهن بمغادرة المركز لبداية حياة جديدة. قد يقتضي ذلك في أحيان كثيرة، تغيير الاسم والمدينة التي كن يقمن فيها، وترتيبات معقدة كثيرة لا يمكن أن تكون جزءا من الحل في المجتمعات العربية، خاصة في ظل وجود حقائق متفق عليها اجتماعيا وأخلاقيا، ودينيا، ومسلمات تجيز للرجل تعنيف المرأة.

منذ أيام تلقيت تدريبا صحفيا عن كيفية تغيير الحقائق المتفق عليها والمسلمات، وكانت فكرة التدريب تقول إن تغيير الحقيقة يتم عبر ما يسمى بأخذ المتابع في رحلة حسية EMOTIONAL JOURNEY من الإحساس الذي تتركه لديه حقيقة ما إلى إحساس مغاير تماما. وضرب المٌدرب مثلا بالشبان الذين يلبسون البناطيل الهابطة إلى ما تحت مؤخراتهم، هؤلاء الشبان يعتقدون أنهم يبدون جذابين و”كول”، وأن مظهرهم يوحي للجميع بالتحدي والإقدام والشجاعة، لأن البناطيل الهابطة ظهرت في السجون الأميركية حيث كان يمنع على المساجين استعمال الحزام مخافة الانتحار أو خنق بعضهم البعض، لكن بمجرد بث شريط وثائقي ظهر فيه سجين سابق وهو يقول إن الحقيقة هي أن من كانوا ينزلون سراويلهم بهذه الطريقة كانوا شاذين جنسيا، وأن إنزال البنطلون هو إشارة ودعوة لباقي المساجين إلى اللحاق بهم إلى الغرفة، تغير موقف الشبان تماما وأصبحوا يتفادون ارتداء هذه البناطيل.

في حالة الرجل الذي يعنف المرأة، كيف يمكن أن نطبق عليه ذلك؟ هل من الممكن أن نأخذه من شعور الرجولة والسيطرة والقوة وكل هذه الأحاسيس “السوبر” إلى إحساس بالامتعاض والخجل، واحتقار النفس، والعار؟ هل نأتي بامرأة تروي له كيف رفضت أن تخرج من بيتها لأيام، لأنها تعتقد أن الجميع سينظر إلى جسدها المعنف ويرى آثار الضرب عليه؟، هل نأخذه إلى حمام مليء بالماء، وامرأة لا تبارحه لساعات، في محاولة لغسل آثار العار والإهانة التي تشعر بها من جراء الضرب، وكلما خرجت منه عادت إليه؟ هل نصور له مشهد امرأة ترتعد كلما اقترب رجل ليلمس جسدها، لأنها تجده وسخا، ملطخا؟، هل نأتي بنساء معنفات يقلن أمام الكاميرات أنهن تمنين لو واتتهن الفرصة ليرددن الضرب والإهانة لمن ألحقها بهن؟

الحقيقة أن كل هذا حدث فعلا، وهذه أمثلة حقيقية وحالات تتكرر، وصور تمتلئ بها الشاشات، وبرامج العلاج النفسي، لكنها لم تغير شيئا من صديقنا الرجل ولم تأخذه إلى وقفة جدية مع النفس، ماذا بقي في هذه الحالة؟ لم يبق حسب رأيي سوى أن تتولى المعنفة بنفسها مهمة أخذ الرجل الذي يعنفها في هذه “الرحلة الحسية”، وأظن أن ذلك ليس صعبا، فقد أثبتت الدراسات أن خوف المرأة وارتعادها من الرجل، وتراجعها وضعفها، واهتزازها أمامه، كل ذلك يعزز لديه المشاعر “الإيجابية” التي تحدثنا عنها سابقا، ويحدث لديه الإشباع الحسي الذي يبتغيه.
الحل إذن يكمن في عدم تمكينه من هذا الإشباع، في ألا تهتزي، أو تتراجعي، أو تنزلي عينيك، أو تضعفي، أو ترتبكي، أو تتلعثمي، أو تتوسلي أو تجري.. إبق واقفة حيث أنت وانظري إليه مباشرة في عينيه نظرة غاضبة وحادة تطير من رأسه أحلام الرجولة والقوة والسلطة، دفعة واحدة.

21