الرحلة السردية المتخيلة

الجمعة 2017/04/28

لا يخلو أي أدب في العالم من نصوص سردية (روائية وقصصية)، تحتوي متونها، فيما تحتويه، على رحلات أو تجارب تطواف يقوم بها بعض شخوصها إلى عوالم تختلف عن عوالمهم، بدوافع متباينة. وغالبا ما يرسم هؤلاء الشخوص صورا لتلك العوالم، ويعبّرون عن رؤيتهم لها، ويكوّنون انطباعات إيجابية أو نمطية أو سلبية عنها، في سياق وصفهم لمعالمها وطبائع ناسها وثقافتهم، ويشتبكون في علاقات مع أفراد منهم، فهم لا يرحلون بأجسادهم فقط، بل بعقولهم وأفكارهم وقلوبهم ووجداناتهم أيضا. وتشكّل هذه الرحلات والتجارب مصدر ثراء وتنوع للنص السردي، وعامل جذب للقارئ.

وإذا كان الحاكي أو الراوي في أدب الرحلة هو المؤلف نفسه (عالم أو جغرافي أو مؤرخ)، وهو الذات المركزية التي تقوم بفعل الرحلة، فإن راوي أحداث الرحلة في السرد الروائي أو القصصي المتخيّل، ليس المؤلف نفسه، وإنما السارد، سواء أكان هو المرتحل أم شخصية أخرى في النص السردي.

في رواية “رحلة ابن فطومة” لنجيب محفوظ يروي ساردها قصة مثقف عربي، يدور حول العالم بحثا عن نفسه، لكن رحلته تأخذ شكل البحث عن المعرفة (رحلة في طلب العلم). وخلالها يكتب البطل عن التجارب التي يمر بها، ويعكس بها فانتازيا يوتوبية يسقطها على سرده للعالم الذي يراه.

ويركز سارد رواية “فلاح مصري في بلاد الفرنجة” لخيري شلبي على طبيعة السفر البحري، مصورا مدى معاناة البحار، باعتباره عنصراً جوهرياً في هذه الرحلة، وهو محركها الأساس، والجندي المجهول الذي يعمل في الخفاء. كما يسلط الضوء على أبعاد الاختلال في سلم التراتبية البحرية، وفي سلوكات شخصيات مختلفة تستفيد من الاحتيال والغش في كسب المزيد من المال عن طريق خداع الشركة التجارية البحرية. ويأتي اختيار شلبي لشخصية البحار في سياق اهتمامه بالفئات المهمّشة وتركيزه على رصد طبيعة حياتها، وقسوةِ عملها وظروفها.

شخصيا، لا تخلو رواياتي الأربع المنشورة من رحلات يقوم بها أبطالها وبعض شخصياتها الأخرى إلى بلدان وجزر وفضاءات مختلفة لغايات متعددة. ففي “حليب المارينز” يرحل بطلها “سامر”، في أحد الفصول، صحبة صديقته، إلى جزيرة “كينيوسو” في كندا، بحثا عن عجوز هندية تجيد تحضير دواء من النبات يعالج ضمور كِليته.

ويتلبّس خلال الرحلة شخصية جلجامش، ويخاطب قائد الزورق، بنشوة عارمة، طالبا منه إيصالهما إلى “أوتونابشتم” العجوز، الذي يقيم خالداً فوق منبع الآبسو- مجمع المياه السفلية العذبة، ليحصل على ضالته المنشودة، كما يتخيل صديقته كأنها “سيدوري” صاحبة الحانة. لكن سامرا يفشل في الحصول على النبتة بسبب موت “الهندية”، ويُصاب بالكآبة، فيأخذه أصدقاؤه، في رحلة استجمام، إلى شرق كندا، حيث جزيرة “هاليفاكس”، وهناك يعيشون أصنافا من المغامرات مع البحر والنساء.

وفي رواية “نخلة الواشنطونيا” يقوم “سلام” برحلة، رفقة بطل الرواية وصديقته الإسبانية، إلى قرية “فونتي فاكيروس” الصغيرة بضواحي غرناطة، حيث يقع بيت لوركا، الذي تحوّل إلى متحف، فيلمح، وهو يخرج من محطة الحافلات، فتاةً تبيع الورد للزائرين تشبه صديقته العراقية “غزالة”، التي خطفها منه أحد الجنرالات ذات يوم، بل هي تبدو نسخةً منها تماماً، فتأخذه الدهشة، ويتحدث معها فإذا بها تجيد العربية. لكن المغني الذي يرافقها سرعان ما يهرب بها. وفي رواية “حماقة ماركيز” يقوم بطلها “سلمان البدر” برحلة متخيلة إلى مكسيكو، ويلتقي الروائي ماركيز في بيته على الساحل الكاريبي، ليعرض عليه مخطوطة رواية كتبها، فيقرأها ماركيز ويُعجب بها.

أما روايتي الأخيرة “أبناء الماء” فإنها تحتوي على فصل يصور ارتحال عراقي لاجئ في اليمن الديمقراطية الشعبية، مع أسرته، من عدن إلى جيبوتي، هربا من الحرب الأهلية، ومن هناك يرحل إلى سوريا ملاذه الأخير.

كاتب عراقي

14