الرحلة السفارية المغربية، الآخر الأوروبي بين الإعجاب والاستغراب

الأحد 2014/03/09
نابولي في إيطاليا كما إسبانيا ومالطا شكلت وجهة للرحالة المغربي

على خلاف الرحلة المغربية إلى المشرق العربي والديار الإسلامية في الحجاز، سواء من حيث عدد الرحلات أو طبيعتها وحوافزها، فإن هذه الرحلة إلى الغرب المسيحي هي حديثة العهد نجمت عن تطور العلاقات الدبلوماسية بين ضفتي المتوسط في القرن الثامن عشر، بهدف الوصول إلى حلول للقضايا التي كانت تشغل الطرفين وتتطلب التفاهم حولها. من تلك الرحلات “رحلة البدر السافر لهداية المسافر إلى فكاك الأسارى من يد العدو الكافر” لمحمد بن عثمان المكناسي، التي فازت من ورائها محققة الرحلة د. مليكة الزاهدي بجائزة ابن بطوطة عن فرع تحقيق الرحلات، في إطار الجوائز السنوية التي يقدمها المركز الجغرافي العربي بأبو ظبي حول أدب الرحلة القديمة والمعاصرة بحثا وتأليفا.


في العنوان


يتميز عنوان الرحلة كما هي العادة في مدونات الرحلة القديمة بطوله الكبير نسبيا القائم على التفصيل، وببنيته القائمة على السجع المتمثل في ضبط الحرفين الأخيرين في نهاية الكلمة الأخيرة من كل جملة. أما على مستوى البنية الدلالية فالعنوان يصرِّح بمضمون رؤية الرحالة إلى الآخر- المسيحي، باعتباره الآخر الكافر، بحيث يضع المتلقي في إطار العلاقة الضدية التي تميزه عن هذا الآخر، وتجعل منه الآخر المختلف.

إن هذا الطول الذي يسم به العمل يركز على الوظيفة الإخبارية التي يقوم بها العنوان، فهو لا يكتفي بكون العنوان علامة تمنح الكتاب اسمه، بل يتوسع في إخبار المتلقي منذ البداية بالحوافز التي دعته للقيام بهذه الرحلة، والمتمثلة في ضرورة التفاهم مع هذا العدو الكافر لاستعادة الأسرى الذين وقعوا في أيدي الإسبان أثناء المواجهات البحرية، التي كانت تحدث بين الطرفين في البحر المتوسط بصورة دائمة، وهي التي لعبت دورها لا سيما بعد طرد العرب واضطهادهم في أسبانيا، في تكريس هذا العداء، وهذه الصفة التي بات يحملها الآخر الأوروبي في المخيال المغربي.

من هنا ندرك أن الرحلة لم تكن بهدف التعرف إلى تلك البلاد، أو الاطلاع على الحضارة والتطور الذي كانت تشهده تلك البلاد. كما نستطيع فهم المواقف المختلفة التي يعلن عنها الرحالة أثناء وصفه لتلك البلاد، وما شاهده فيها من عمران وتطور وحياة اجتماعية.


الرحلة وزمنها


تحاول الدارسة الوقوف على زمن الرحلة والسياق التاريخي لهذه السفارة، وصولا إلى معرفة الخلفيات السياسية التي كانت تحكم علاقات المغرب بأوروبا في تلك الفترة من القرن الثامن عشر، مستعينة بالمراجع ونصوص الرحلة نفسها، التي تؤكد أن الرحلة قد حدثت في العهد العلوي وفي عهدي السلطانين اسماعيل وسيدي محمد بن عبدالله، اللذين كانا مهتمين كثيرا بحل المشاكل التي كانت تعرقل العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وأوروبا، وهو ما دفعهما لإرسال الوفود والمبعوثين ومنها هذه الرحلة السفارية، كما يدلل عليها عنوان الرحلة.

من جهة ثانية تسعى الباحثة للتعرف إلى شخصية المؤلف ونشأته، وتحديد مصادر ترجمته التي لا تقدم الكثير من المعلومات حول ظروف تكوينه ومصادر علمه، الأمر الذي يدفعها للبحث في مؤلفاته إضافة إلى الاعتماد على ما كتب عنه من قبل معاصريه، بغية التعرف إلى نوع ثقافته وبعض السمات الفكرية التي ترتبط بعصره.

كما تكشف الرحلة كما هو مدون في عنوانها عن زمن القيام بها، إلى جانب ما حققته من أهداف تجلت في توقيع عقد الصلح بين المغرب وأسبانيا، ما جعل سيدي محمد يعينه بعد عودته وزيرا ثم يكلفه بالقيام بسفارة أخرى إلى جزيرة مالطا ومدينة نابولي لتحرير عدد من الأسرى. لم يتوقف نجاح الرحلة على تحقيق أهداف الرحلة، بل امتد إلى تقديم الوجه الإيجابي لشخصية الرجل المسلم.


دوافع الرحلة


تكشف الباحثة في هذا الفصل من الكتاب عن الدوافع التي حدت بها لاختيار هذه الرحلة للبحث، والتي تحددها في كون الكتاب عبارة عن نص رحلة متميز من حيث المضمون، الذي جمع كما تراه بين ما هو سياسي وحضاري وأدبي، وفي ضوء ذلك تقسم الكتاب إلى مجموعة من المواضيع على أساس مشاهداته في جزر قادس ومالطا وصقليه ومملكة نابولي. كما تتناول أسلوب المؤلف الذي تجده مزيجا من العربية الفصحى والعامية المغربية، لكنها تجد أن هذه البساطة في الأسلوب لا تعني غياب المحسنات اللفظية والصيغ البلاغية عنه.

تقسم الباحثة الرحلة وفقا لموضوعاتها، وفي مقدمتها الموضوع السياسي الذي تركز حول الهدف الذي كانت الرحلة من أجله، وهو ما يصرِّح به العنوان كما لاحظنا، والمتعلق بفكاك الأسرى، الأمر الذي يجعل موضوع الأسرى يحتل حيزا هاما من الرحلة. أما في مدينة نابولي فكان هدف الرحلة عقد صلح وهدنة مع المملكة إلى جانب فكاك أسر بعض المغاربة هناك.

وتتناول الدراسة موقف الرحالة ابن عثمان من مظاهر الحياة الأوروبية وتكشف بالتالي عن مدى التفاوت بين الأنا والآخر أو الهنا وهناك وما يقدمه المؤلف من قدرة على تحليل يتعلق بتلك المظاهر التي شاهدها هناك.


الحياة الاجتماعية

الرحلة شكلت السفارية أول اتصال للرحالة بالمجتمع الراقي


يصف كتاب الرحلة مراسيم الاستقبالات والبروتوكول التي خصصت له ولمرافقيه في المحطات الأوروبية الأربع التي نزلت بها السفارة، كما يتحدث عن الجغرافيا والاقتصاد بحيث تغني معرفة القارئ ببعض المعارف الجغرافية عن الأقطار الأربعة والبحار، وذلك من خلال اهتمام الرحالة بوصف الأماكن التي مر أو نزل بها وتحديد مواقعها ومؤهلاتها الطبيعية من تربة ونبات وحيوانات ، إلى جانب الحديث عن التطور الاقتصادي الذي تميزت به تلك البلدان. لكن الباحثة تتوقف عند الحياة الاجتماعية والدينية كما وصفها ابن عثمان من منظور الشخصية المسلمة.

لقد شكلت هذه الرحلة السفارية أول اتصال للرحالة بالمجتمع الراقي من طبقات الحكام والملوك والأكابر ما دفعه لوصف مشاهداته والأندية الخاصة بها ووسائل الترفيه التي كانت توفرها لهم من رقص وموسيقى وغناء ولعب للورق والشطرنج.

كذلك يتحدث عن عدد من المنشآت الاجتماعية التي زارها، إلى جانب المؤسسات الخيرية وعن زياراته إلى بعض الأديرة والكنائس، وما شاهده من احتفالات دينية، تلحظ الباحثة استخفاف الرحالة ببعض تلك الاحتفالات كالكرنفالات التنكرية، لما يراه فيها من فساد واختلاط بين الرجال والنساء. وتلخص نظرة الرحالة بأنها اختلاط لما هو ديني بما هو دنيوي لا سيما ما يتعلق منه بالمرأة التي قدَم لها صورا مختلفة كامرأة راقية وراهبة وفتاة تشرف على العائلة وتختار شريكها.


التاريخ الأوروبي


توضح الباحثة مليكة مدى اهتمام الرحالة بالتاريخ الأوروبي من خلال ما يقدمه في هذه الرحلة من تعريف بتاريخ كل بلد كان ينزل فيه بما فيه تاريخ الأسر التي حكمتها كما يظهر اهتمامه بالعمران الأوروبي الذي حاز على إعجابه من خلال الطابع المختلف للعمران في تلك المدن التي زارها ويظهر ذلك من خلال وصفه لأشكال الأبنية وهندستها والشوارع المستقيمة والمرصوفة بالحجارة إلى جانب اهتمامه الكبير بأشكال الرسوم والنحت على الجدران والزخرفة والتماثيل المنتشرة داخل القصور والحدائق، ووصفه للقصور والكنائس التي كان لا يذكر أسماءها والآثار القديمة التي أبدى إعجابه باهتمام الأوروبيين بها والتنقيب عنها.

وتعود الباحثة في فصل لاحق للحديث عن المنهج الذي اتبعته في تحقيق هذه الرحلة، والخطوات التي قامت بها، من أجل الوصول إلى جعل نص الرحلة أكثر وضوحا دون المساس به أو تشويهه. وتذكر في هذا الصدد أن هناك ثلاث نسخ من هذه الرحلة منها نسختان تامتان إحداهما هي الأقدم وعليها خط المؤلف والثانية جرى ضبط تاريخ النسخ عليها في حين أن النسخة الثالثة لم تكن كاملة، وبالتالي لم يكن لها أية أهمية.

14