الرحلة الشامية في الآلام والجمالات اليومية

الأحد 2013/08/25
في دمشق الزمن أصبح تابوتا للسوريين

أفضى بي البحث عن قارئ، لتسجيل ذاكرتي في دمشق المدينة، أن تتشابك خطواتي بمعيشها، في رابع عودة لي إليها منذ بداية الثورة، عودة امتدت من ثلجة كانون الثاني إلى أزاهير نيسان 2013. في حقيقة الأمر، لم أنشغف في يوم من الأيام بالتمكّن من حبكة متقنة الصنع، تميل للتشدد والاقتصاد البيوريتاني في التراكيب والمفردات، لأنسجها على مدّ نصوصي. غالباً ما أقول لروحي: أتركي غمغمات الكلمات، دعيها تجيد لكنتك المتواضعة على كفها وصعلوكها، وكوني أنت ودفق تشرّدك، وغاب النص.

وصلت مطار بيروت الواحدة والنصف ليلاً، عن طريق القاهرة، قادمة من مدريد. أخبرني إبراهيم سائق التاكسي أنه يفضّل التمهل إلى وجه الصبح للسفر بي إلى دمشق، وتحجج بانتظار فتح الطريق، بسبب ثلوج تراكمت على كاهل ضهر البيدر. حدّست، بيني وبين نفسي، أن تلكؤه جاء لتمسكه بذلك الأمان الذي يخلفه تعقّب شقوق الضوء في النفس، وأعتقد أنه لم يكن يجافي الصواب. حسناً، لا أخفي أنني امتعضت من سيارة الدفع الرباعي المركونة على رصيف الواصلين إلى مطار بيروت، وأنا أتخيل أنها من تلك المستهدفة في الأجواء السوريّة، ولأقطع التداعيات على لجّة هواجسي اتكلت على الله، وأنا أتلفع قبعتي الصوفيّة، أتخيلها خوذة مضادة للرصاص. وأخذت طريق بيروت – دمشق مع سطوع الشمس الأول على "سلام الشرق".


نبش في القيعان


في دمشق سيواجهني السؤال عن الكيفية التي قضى بها أخي، وكأن القتل هو الوارد البدئي في ذهن كل سوري أمام معضلة الموات، وانخفاض نسبة الإحساس بـ"الموت الرباني". وكان عليّ باستمرار شرح الطقس غير الرحيم، وكيفيّة وفاة أخي وحيداً بأزمة قلبيّة على درج الشغل، وانقطاع الكهرباء في المشفى.. و.. و.. وأبو شادي يعطر جثمانه قبل أن يرتحل لداره السموات. أمليت على السائق رقم حقيبة سفري السري، ليفتحها لعسكري طويل القامة، هزيل متهدل الكتفين. وتركت أشيائي وثيابي على مرمى بصريهما تمحصان في حميمياتي وداخلياتي.

زوى العسكري بين عينيه، دسّ يده المعروقة متمهلاً، جسّ قمصاني، وبتردد زحزحها، توقف عند حنجور شفيف يحتوي حبوباً بيضاً مثل التلج. أزحت غرتي إلى ما وراء أذني، وأضفت: حبوب للإمساك. وابتسم.

ترك إبراهيم الحقيبة مفتوحة. قال لي: لشو تسكيرها، والحواجز مليانة على الطريق!


جَماليات اللامعقول


تعلقت عيناي بالمرئيات اليوميّة عينها: الكومجي يفرغ من لحام آرمة ويفاصل على السعر؛ الخضرجي يرتب سحارات البندورة، والبرتقال؛ الحلاق منهمك بالحكي وقصّ شعر الزبون، شغيلة ورشة البلاط ومعمل البلوك يرتشفون الشاي؛ بضعة كلاب شاردة تفتش بين النفايات، تقضقض بقايا عظام نتنة مطروحة؛ ظلال طولانيّة لأشجار حور ترتعش على غوارب بردى، واحتمال سيارة مفخخة أو تبادل إطلاق رصاص حاضر أبداً على مساحة المشهديّة. أخذت أبحث عن بائع القهوة المتجول كثيف الشعر.

كنت قدرت، مما يندلق من سمرته وفحمة عينيه، أنه لا يتجاوز الـ13 سنة، إلاّ أن أنواء الأيام التي حفرت في جبهته العريضة أثلاماً، جعلته يبدو أكبر من هذا العمر. لعلها، أقصد التجاعيد الجبهيّة، وراء زئبقيّة حركته الواثقة وانسيابيتها العجيبة، أو لعل أجنحة هرمسيّة خفيّة رُكِبت على صندله المستورد من سوق الصين العظيم.

تقاسمت المقعد في السرفيس مع شاب، احتضن ابنته الصغيرة وأجلسها فوق ركبته. بالكرديّة تحادثا، وبين الحين والآخر، كان الأب يربت على رأسها، يفرك لها أصابع قدميها النافرة من شحاطة البلاستيك، ويعود ليشدّ لها ربطة زهرية فاقعة جمعت شعرها المحمر على هيئة ذيل حصان. خمّنت أنها من الشحاذات الصغيرات المنتشرات في مركز المدينة، وأنها في طريقها للشغل مع الصباح.

لملمت الأجرة من الركاب وسلّمتها للشوفير، بينما كان هذا الأخير يحاسب القهوجي عن قهوة ثلاث أيام ماضية على الحاجز.

فتحت عيني مع شعوري بالدقائق. وبلمحة بصر فصم رجل يصطاد في النهر عرى حواري الخابوري. وأدرت رأسي للتأكد من المشهد المنخطف خلفاً.

- يصطاد في بردى؟ ومن إيمتى بردى فيه سمك؟

كيف لي بتبرير لامعقول يفرض نفسه برؤية العين! حسناً، قلت لنفسي. وأردفت:

- ما هو الفارق بين لامعقول رجل يصطاد في نهر بردى، عن لامعقول كشّاش حمام أبصرته على سطح بركن الدين، يلوّح لسرب حمائمه المحلّق على علوّ منخفض فوق الفيحاء، بالتزامن مع طائرات معدنيّة تخترق الأجواء، تلقي بقنابلها الحراريّة، كما لو أنها تتغوط في السماوات، قبل أن تقصف الغوطة الشرقيّة! ما الذي يدعوني لتكذيب ما رأيته من غرابة أطوار، وأنا متأكدة أن الصدق يرفأ في الرؤية وذروة الشهوة للحياة في شامنا.


تخزين الأمل


أمسى الزمن تابوتنا في دمشق. وأصبحنا نهرّب الموعد مع الأصدقاء والأحبة عبر الحواجز، والقنص، والقصف، والقذائف، والتفجيرات.

وحيدة في منزلي. استمتع بغريزة العودة لمسكني بعد طول غياب. إلاّ أنني كلما آويت لفراشي، يتناهى لي دبيب أرجل رهيفة يطغى على حواسي ويقلق نعاسي.

أنهض، أستنجد بشمعتي على الفزع والعتمة السقيمة، أشعلها وأبدأ التفتيش والبحث في أبعاد البيت عن منافذ لتفسير تزاحم الخطوات الليلي. ولكن لا أحد.

تتراكم الخواطر الموحشة في ذهني، وتمسي أعصابي خيوطاً سريعة الاحتراق. بالرغم من ذلك، أجلس على كرسي الخيزران في الصالون ولا أسلّم لطعم القلق، أمشي بخطوات تدّعي التوازن صوب العين السحريّة، لا أميز شيئاً في ردهة السلّم الحالكة.

- حسناً، لا أحد.. لا أحد إلاّ وقع خطواتك على رصيف مينائي.

أستعيذ من شرّ الوسواس الخناس وأتعايش مع الدبيب المطموس الليلي. وأخيراً، تكشف الأمر عن مساكنة حمامات لي في علب الأبجورات. شعرت ريحة الإنسان فيها، وألفة ووحدة مصير. لعلها من الحمائم النازحة مع المهجّرين إلى "مدينة الياسيمن"، وربما قادمة من رفوف الحمام التي مررت بها، وأنا في طريقي إلى المناخليّة، تغطّ وتطير في المرجة، تزينها وتتقاسمها مع النازحين، وذكرى الشهداء، وكلمة الرقة المسطرة على نصب التلغراف.

لعل لهذا الأمر تأثيرا في الميل نحو الانفتاح على التغييرات في الحياة الشخصيّة والاجتماعيّة، من قبل عموم الأهلين، مقيمين ونازحين ومهجّرين، إذ تحوّل السؤال بين السكان أحدهم للآخر من "وين ساكن؟" ليصبح: "وين كنت ساكن؟"، وكأن فعل الماضي الناقص يساوي الجميع بواقع المصيبة والمصير.

هنا في دمشق تبدأ تراتيل القرآن مع استفتاحة الأرزاق في الدكاكين والمقاهي، ومن ثم لا يأتي إلاّ صوت فيروز الحي من ماضينا الميت مع توسع مساحات النهار حتى إقبال المساء؛ أما المسج الذي يكتبه ويرسله من هم في مناطق الحصار أو القتال، يبلّغون فيه عن أواصر صلتهم بالحياة عبر حبهم للأهل والأصدقاء وسوريا، فيتناسل جواه مثل العشق هذه الأيام على طريق دمشق "الدار المسقيّة"، إلى ما هنالك من كثافات تحررية وتشارك إنساني، جماعي واجتماعي، اشتبكت بجمالياته العميقة في شرايين مدينتي، لدرجة أشعر معها أن الشام تعلن بقصصها القصيرة، والقصيرة جداً، وشذراتها السردية اليوميّة واقع تشكل مجتمعها الأهلي من جديد، كما وتشهد نواة تحولها الديمقراطي بمحض إرادتها وعفويتها، في وقت تقف فيه البلد على مفترق طرق خطير.

مدينتي تقوم وحيدة من وحدتها، تقوم وهي تحمل سجال السؤال، كأنها تغرب وجهها عن طبقة سياسية مؤسفة لم تكن على قدر مسؤوليّة وقف النجيع النازف، إن لم أقل إن لها سلب الدور والنصيب فيه أمام التاريخ. مدينتي تكفكف جروحها، تخزّن ما تبقى من أمل، تسري على كيفها، وتمشي على طريق ذاتها: طريق دمشق، استعارة كونيّة للهداية!

14