الرحلة بين رأس الديكتاتور وبسطاره

الجمعة 2014/11/21

قبل عام من اليوم رُفع الستار في مدخل مدينة اللاذقية على الساحل السوري عن تمثال ضخم كان منتظراً أن يكون بديلا عن تماثيل كثيرة للديكتاتور السابق حافظ أسد حطمها السوريون في الأيام والأسابيع الأولى من ثورتهم على نظام عائلة حكمتهم واستعبدتهم بالدم والدموع نحوا من نصف قرن. النظام الذي لم يحدث أن فاجأ يوماً شعبه بشيء، فاجأه هذه المرة، بطريقة فاقت كل توقعاته، فها هو الستار ينحسر ليظهر بدلا من رأس الديكتاتور الراحل بسطاره العسكري.

ضباط عسكريون كبار ومعهم رئيس فرع الحزب، ورؤساء الفروع الأمنية بملابس مدنية تحلَّقوا حول النصب الجديد للعائلة الحاكمة، في استعراض غرائبي امتزجت فيه البذاءة القصوى مع الهوس الفاشي وجنون العبودية.

في الوقت نفسه، سوف يقام في دمشق، التي يقطعها إلى مربعات أمنية 400 حاجز عسكري، احتفال بالمناسبة يحضره ضباط عسكريون كبار تلمع على أكتافهم نجوم وتيجان عسكرية وفي جوارهم شخصيات مدنية من حاشية الطاغية سوف يصفقون بابتهاج لنموذج مصغر من البوط العسكري على شكل قالب حلوى وفي جواره رصاصة ضخمة من الشوكولاتة، ولسوف يتسابق كل من حضر على الفوز بقطعة من البوط وأخرى من الرصاصة والتلذذ بتناول الوجبة الشهية.

ولا حتى في كوابيس أكثر الشخصيات هوسا وعتها وجنونا يمكن تخيل مشهد مشابه. لا في الزمن الهتلري، ولا في التطرف الفرنكوي، ولا في فاشية الدوتشي ومباذله الخرقاء، أو جنون العظمة البينوشي، ولا حتى مع جنرالات مخيلة غابرييل غارسيا ماركيز اللاتينيين، يمكن لشيء كهذا أن يحدث.

وهكذا، لم يعد رأس الطاغية المفكر، الأب الشرعي والوحيد للشعب والأمة، موجوداً، لا وجود هنا لرأسه ولا لجسمه وفي جواره صبي وفتاة يحملان السنابل، لم يبق من الطاغية في حياة الشعب بعد سنوات أربع هي دهر دموي، سوى بسطاره الذي داس جسدهم الجماعي وهرس لحمهم في تلبيسة والبياضة والرستن ودرعا و… دوسا يسحقهم كحشرات وفئران وهو يجار بالسؤال الاستنكاري: “بدكن حرية؟”

أما وقد أخلت أيدي السوريين الساحات من الجسد الرمزي للديكتاتور، فلم يعد هناك من مكان في ساحات مدنهم لأي شيء آخر سوى بسطاره الغارق في الدم.


***


قال العسكري الحافي: “سأضع بوطك على رأسي يا سيادة الرئيس”. قال التاجر المنافق: “سأعلق بوطك في واجهة حانوتي ليصلي له الغادي والرائح”. وقالت الموظفة المتيمة حباً: “سأزين رأسي ببوطك تاجاً يا سيادة الرئيس، وأطوف به حول ساحة الأمويين سبع مرات، بعدد السماوات التي تردد اسمك صبح مساء”.

وإذا كان تعبير الشخصية المازوخية عن عشقها يجري عن طريق التعلق بأكثر أشياء المحبوب حميمية، فإن ذروة ما يذهب إليه العاشق الفيتشي هو عشق الملابس الداخلية للمحبوب، لكن الابتكار ما بعد الحداثي للعشق المازوخي الجماعي سوف يفصح عن نفسه في المثال السوري بالتمسح والشمشمة والتقبيل وتسبيل العيون للبوط العسكري رمزا لطبيب العيون الذي صار ديكتاتورا أنجز في أربع سنوات ملحمة تحويل درة بلاد الشام إلى صحراء تنتشر فيها العقارب والضباع وتسعى فيها الحيّات كل مسعى، بعدما آل عمرانها إلى خراب وأهلوها إلى ساكني قبور أو مشردين في الخيام.


***


عندما يكون علي الديك مغنيك، وبشار حافظ أسد ديكتاتورك، وأحمد بدر حسون مفتي ديارك وخطيب مسجدك، وقدري جميل معارضك السياسي، وعلي أحمد سعيد صاحب ملحمة “سيدي الرئيس” ضميرك الشعري، فإن انتشار عبادة البوط العسكري، كما يحدث في سوريا اليوم، سوف يكون التعبير الأبلغ عن فيتشية جماعية لجمهور مازوخي، هو جمهور النظام، لم يبق لديه من أسباب الحياة سوى أن يضع البوط على رأسه ويهيم على وجهه عشقا لقاتله. الديكتاتور المنتشي تلقى الرسالة من عشاقه المتيمين، في كل وظيفة ومهمة، أرسل نواب حذائه إلى مهامهم اليومية.

فنانه التشكيلي، وانسجاما مع النموذج الجديد للنصب الوطني الجديد، تفتقت مخيلته عن بوستر لا سابق له، وها هي شوارع دمشق والمدن الباقية في حوزة النظام تشهد ولادة هذا الـ“بوستر” البذيء حيث يظهر البوط العسكري المقدس الذي داس الجسد الجماعي للسوريين وفي جواره كلمتان: “لنداوي جراحكنّ”.

رسالة من كلمتين ووجهتُها النساء حصراً، سيما اللواتي انتظم أبناؤهن في صفوف الطاغية، فقاتلوا شعبهم، وقُتلوا كرما لعينيه الكحيلتين، ونظامه يسميهن “أمهات الشهداء”.ولكن كيف سيداوي النظام السوري بالبوط جراح نساء حاضنته الاجتماعية اللواتي دفن أبناؤهن أحياء في كتائبه المقاتلة، وصرعى في ساحات الوغى ضد شعبهم؟

هل سيكون ذلك بطريقة أخرى غير تهبيط آخر الأطلال الواقفة في المدن السورية، وقتل من تبقى من شباب القرى والبلدات الفقيرة للطائفة المصابة بلعنة آل الأسد.

كيف سيداوي البوط العسكري جراح أولئك النساء إن لم يكن ذلك عن طريق تجنيد مزيد من الحطب “العلوي” لإحراق ما تبقى من أهل سوريا، نزولا عند نهم المحرقة الإيرانية المشتعلة لأربع سنوات بأجساد السوريين، وقد جعلتهم حطباً يأكل حطباً وبلدات تأكل بلدات، الشبان إلى المقابر والنساء إلى خيام الحداد.

في الجبل وفي الساحل، في القرية وفي المدينة، عسكريين ومدنيين، شيبا وشبانا يساق السوريون إلى الموت. وشعار الطغمة الحاكمة الموجه إلى نساء سوريا: “بالبوط ندواي جراحكن”.


شاعر سوري

9