"الرحلة".. معرض حنين ينقل المصريين إلى عوالم آدم حنين الفنية

معرض يخلد مسيرة النحات المصري الراحل آدم حنين من خلال مجموعة فريدة من أعماله.
الجمعة 2021/04/02
الاختزال والتجريد شملا حتى اللوحات

رغم رحيله منذ عام تقريبا إلاّ أن النحات آدم حنين ظل علامة فارقة في تاريخ الفن المصري والعربي بشكل عام. فهو الذي يعدّه النقاد وريثا معاصرا للفراعنة في نقوشهم على جدران المقابر والمعابد. ولأن الحنين إلى عوالم حنين الإبداعية لا يزال نضرا استذكرت مصر أعمال فنانها الراحل عبر معرض استعادي كبير أتى تحت عنوان “الرحلة”.

القاهرة - بتنظيم من وزارة الثقافة وقطاع الفنون التشكيلية والإدارة المركزية لمراكز الفنون بمصر، يتواصل حتى أواخر شهر أبريل الجاري بمجمع الفنون (قصر عائشة فهمي) بالزمالك معرض استعادي كبير للنحات المصري الراحل آدم حنين، المعنون بـ”الرحلة”.

ويأتي المعرض الاستعادي في إطار حرص وزارة الثقافة المصرية ممثلة في قطاع الفنون التشكيلية على تكريم رمز من رموز الفن المصري بعد رحيله العام الماضي تقديرا لمسيرته الإبداعية المديدة.

وعنه قال الفنان إيهاب اللبان مدير مجمع الفنون إن “الفنان آدم حنين كان فنانا استثنائيا شكّلت أعماله الفنية نقلة كبيرة في حركة الفن المصري ومنهجا فريدا أثار انتباه الفنانين والمتابعين، حيث تعدّ أعماله الفنية الآن مرجعا للفنانين والباحثين في مصر وخارجها”.

ويقدّم المعرض مسيرة الفنان الرائدة منذ خمسينات القرن الماضي وحتى وفاته في الثاني والعشرين من مايو 2020 بمجموعة فريدة من أعماله التي تجاوزت المئة وخمسين عملا فنيا ما بين النحت والتصوير، تشكّل نماذج من إنتاجات الفنان بمراحلها المختلفة.

أشكال مجردة تختزل ديناميكية الحركات والانفعالات
أشكال مجردة تختزل ديناميكية الحركات والانفعالات

ووُلد صمويل هنري، وهو اسمه الحقيقي، في مدينة القاهرة لأسرة تعود جذورها إلى أسيوط (جنوبي مصر)، ونشأ في حي باب الشعرية. وكان في الثامنة من عمره عندما اكتشف “المتحف المصري للآثار” خلال زيارة مدرسية التي ألهمته أن يكون في مرحلة لاحقة نحاتا.

ومن هناك التحق بـ”كلية الفنون الجميلة” في القاهرة وتخرّج منها عام 1953، وسرعان ما أصبح معروفا بعد أن حصل على جائزة الأقصر عامي 1954 و1956، وبدأت تظهر أعماله بشكل متواتر في القاهرة والإسكندرية ثم في مدن أخرى من العالم.

إيهاب اللبان: أعمال حنين تعد مرجعا للفنانين والباحثين في مصر وخارجها

وتتميّز أعمال حنين في غالبيتها بالتركيز على البيئة المحلية والتراث المصري القديم، وهو الذي تشبّعت عيناه منذ كان يافعا برؤية تلك المنحوتات الحجرية الضخمة لأجداده الفراعنة. وقد ظل على امتداد اشتغاله الفني الذي ناهز النصف قرن يتذكّر كل هذه التفاصيل، من ملمس الأحجار ورائحة المكان، وضآلة حجمه في مواجهة كتل الغرانيت والبازلت، وعيناه المفتوحتان بالدهشة التي لازمته طويلا وشكّلت علاقته بأعماله النحتية وتماثيله الاستثنائية.

ومن هذه الزاوية ترسّخت علاقته بالفن المصري القديم كنوع من التواصل والامتداد الروحاني والعضوي عبر طريقة معالجته للشكل، ومن خلال اهتمامه بالوحدة العضوية للكتلة وعلاقتها بالفراغ، وفي ملمس الأحجار وانحناءاتها وفي التلخيص الذي يميّز جل مجسماته.

وراوح الراحل بين حسّ تبسيطي في معالجة الكتل والأحجام واستلهام حرية التعبير النحتي، كما اتسمت منحوتاته بالأشكال المجرّدة والأحجام الصافية وبديناميكية الحركة، وكانت تدور حول موضوعات قرصي الشمس والقمر ومفهوم الصعود.

وهو إلى ذلك يعدّ واحدا من أهم المساهمين في المشهد التشكيلي المصري، حيث أطلق عام 1996 “سمبوزيوم أسوان الدولي للنحت”، وهو حدث سنوي مستمر إلى اليوم، تحوّلت الأعمال التي نتجت عنه إلى حديقة نحت في الهواء الطلق ضمّت أعمال الفنانين الزائرين الذين شاركوا بأعمال مصنوعة من الغرانيت المحلي.

ويُعتبر تمثال أم كلثوم البرونزي أحد أبرز أعمال حنين النحتية، وفيه جسّد الراحل هيئة الجسد نفسها وانحناءات الثوب والمنديل في يدها مع الكثير من الاختزال والتجريد التام للعناصر المُشكلة للكتلة النحتية، إلاّ أنّ الناظر للتمثال يستطيع وبسهولة التعرّف على هيئة صاحبته من خلال إيحاءاته البارزة للعيان دون تكلّف.

ورغم تقدّمه في السن، أنتج الراحل خلال العقدين الأخيرين عددا من منحوتات الغرانيت الفريدة في مدينة أسوان التي اشتهرت منذ العصور القديمة بمحاجر الغرانيت، وظلت موضوعاته مرتبطة بالأمومة والطيور والقوارب والنهر، دون أن يتلاشى تأثّره الكبير بالأيقونات المصرية مثل الأهرامات والمسلات والتماثيل الفرعونية والجداريات الأثرية.

وأُدرجت أعمال الراحل في المجموعات الفنية العربية الكبرى، ولا يكاد يخلو متحف عربي من أحد أعماله بما في ذلك “متحف الفن المصري الحديث” ومتحفه الخاص في قرية الحرانية الذي فيه منزله ومحترفه السابق. كما له مجسم بحديقة النحت الدولية بمدينة دالاس الأميركية وآخر بمبنى مؤسسة الأهرام بالقاهرة.

آدم حنين فنان مرجعي حفر اسمه في ذاكرة الفن المصري والعربي
آدم حنين فنان مرجعي حفر اسمه في ذاكرة الفن المصري والعربي

وإلى جوار النحت مارس حنين الرسم أيضا، وهو الذي كان يعترف أنه لجأ إلى ممارسة التصوير لكسر حالة الشغف بالتشكيل على الحجر من أجل الاستعداد لخوض مغامرة جديدة معه.

وفي تعامله مع اللوحة لم يبتعد حنين كثيرا عن رؤيته في التعامل مع النحت، فخلافا للتجريد والاختزال اللذين ميّزا أعماله النحتية، اعتمد أيضا على مرجعية مرتبطة إلى حد كبير بالفن المصري القديم على مستوى التقنيات المُستخدمة في صوغ اللوحة، مثل اختياره لأوراق البردي كأسطح للرسم واعتماده على الأصباغ اللونية نفسها التي استخدمها الفنان المصري القديم في الرسم.

هكذا لخّص معرض “الرحلة” وفق سرد تاريخي كرونولوجي بعضا من تجربة حنين المديدة في النحت والرسم، وهي الرحلة التي قال عنها خالد سرور رئيس قطاع الفنون التشكيلية بمصر “رحلة يرويها هذا المعرض لكل رواد الفن في مصر وخارجها لفنان كبير حفر اسمه في ذاكرة الفن المصري كإحدى العلامات الفنية التي نفتخر بها دوما”.

17