الرحلة مع الصور.. سير على حبال المزاج

الأمهات الفلسطينيات يقدمن دروسا وأطروحات في القوة والصبر والتحدي والقدرة على الابتسام والحياة والفرح رغم ما يحيط بهن من مآس.
الأربعاء 2019/02/27
صورة للأم الفلسطينية القوية والمتحدية للمصاعب

الرحلة كفكرة ومفهوم توحي دائما بالاستمتاع والفرح، والرحلة عندما تتزامن مع الصورة فقد توحي بقضاء أوقات ممتعة، لكن لكل شيء وجه آخر خفي لا يعلمه إلا من نال نصيبا من تجاربه.

تخيل أن تمضي ساعات من يومك بين الصور، تبحث عن أحد أبرز مكونات مهامك في العمل. في الرحلة مع الصور قد تشعر بأن غليان الطناجر صار وسط دماغك، وقد وتشعر أيضا بأن الدماء تجمدت في مكانها وبات سريانها في العروق صعبا.

تتساءل هل تتلاعب بي هذه الصور، هل أصبحت المتحكم في أعصابي ومزاجي؟ هكذا تكون التقلبات؛ أحيانا تجد صورا تجعلك تدمع من الضحك، وأخرى تجعلك تستمتع وتقول مثلا سبحان الله في ما خلق. وفي حالات أخرى تجد صورا تبكي من مجرد النظر إليها دون تمعن أو إطالة.

رحلة، وكأنها سير على حبال المزاج، ولكن هذا من صميم عملك ولا مناص من المطالبة بحلول لتعديل مزاجك والرجوع إلى حالتك الطبيعية، تخيل أنك تطالب بتعويضات مثلما يفعل الذين تعرضوا لحوادث شغل… في النهاية سوف تتحول إلى شخص طماع أو تافه أو قد تتهم بأنك مفرط الحساسية وقد يطلب منك أن تعالج نفسك وتقوّم ردود فعلك تجاه الصور.

يحدث أن تُكلف بمهمة البحث عن الصور في العمل الصحافي امرأة حامل، تعمل على مواضيع تتعلق بالصحة أو بظواهر العنف وبكل الأحداث الساخنة. الحامل بطبعها تعيش اضطرابات في المزاج، وتمر بحالات تقاوم فيها الاكتئاب والتقلب. كما أن نظرتها إلى الأمور تمليها التغييرات الهرمونية.

والحامل أيضا تعيش لغز الوحم الذي لم يتوصل العلماء إلى فك شفراته، رغم شرح النساء المستفيض له، فما بالك لو اعترضتها صور لتشوهات جلدية وخلقية؟ فهي وقتها لا تصارع مزاجها وضغط دمها فحسب بل تحاول أن تغض الطرف وتتجاهل ما رأته لكي لا “تتوحم عليه”. وتيرة تغيّر المزاج تتسارع في حالة الحمل بسبب الرحلة اليومية مع الصور. قد يستغرب البعض، لكن فعلا تخاف الحامل من أبسط شيء وقد تخاف من أن يحصل تشوّه خلقي لجنينها بسبب الصور.

للحامل أيضا رصيد من سخرية الآخرين من الوحم والشهوات المرتبطة به فتلك الحامل ترى يوميا صورا لأشهى الأطباق والغلال بأنواعها في مواسمها وفي غير مواسمها وللحلويات التي تعشقها لكنها لا تستطيع اقتناء وشراء كل ما تشتهيه لأن شهواتها أيضا تتكاثر بشكل لا معقول ولا متناه بفضل بل لنقل بسبب الصور.

وفي مواقع البحث عن الصور يكفي أن تكتب “الأم في فلسطين” لتعترضك صور الأمهات يودعن فلذات أكبادهن من الشهداء، ودون رغبة منك أو سعي لهذا، تقع في فخ تخيل أحاسيس إحداهن وقت التقاط الصور وحجم لوعتها وحرقتها، تكاد تسمع عويلها وصراخها وكأنك فتحت النار على قلب الأم القابع بين ضلوعك فتجهش بالبكاء إلى أن تشعر بحرقة في جفونك، لكن ألا يعد هذا ضررا نفسيا وبدنيا؟

وقد تشاهد آلاف الصور من ذات الصنف رغم أنك تبحث عن صورة الأم الفلسطينية القوية والمتحدية للمصاعب والتي تمسك ولدها بيدها مبتسمة معبرة عن قدرتها على الابتسام في مواجهة الموت والاحتلال وفقدان الأعزاء، لماذا يلخص عالم الصورة والمصورون الأم الفلسطينية في البكاء وفي مظهر أم الشهيد، فالأمهات الفلسطينيات يقدمن دروسا وأطروحات في القوة والصبر والتحدي والقدرة على الابتسام والحياة والفرح رغم ما يحيط بهن من مآس.

الرحلة مع الصور شاقة لكونها فعلا تلعب بعواطفك، بأحاسيسك، بمزاجك وبخيالك. هو عصر الصورة صحيح، لكن أن تصبح جزءا من حياتك وتأخذ نصيبا هاما من وقتك في اليوم ومساحة كبيرة في حياتك فإنها تكاد تحولك إلى لعبة تتحكم فيك بجماليتها أو بدقتها أو بزاوية التقاطها، المهم إنها تسيطر عليك، بدل أن تسيطر عليها وتستخدمها لغرض معين.

21