الرحلة والمخيلة

الاثنين 2014/11/17

يحفل تاريخ الأدب بكثير من الرحلات التي دوّنها أصحابها لتغدو بمثابة مراجع تاريخية عن الأماكن التي مرّوا بها واكتشفوها، وتنقل هاجس الشغف بها إلى قرّائهم عبر الزمن، كما حرّضت على ارتيادها من خلال دقّة الوصف وحسن التعبير، بحيث رسموا تفاصيل الأمكنة وملامح قاطنيها.

لا تنحصر اللذائذ في المتع الحسّيّة، بل هناك ما يتفوّق عليها عند المقتنعين بها، منها لذّة القراءة، أو لذّة الكتابة، أو لذّة السفر والرحلة. وبتركيز الحديث عن الرحلة، يجد المرء أنّها تنهض بدور الدليل للآخر، اللاحق، أو المعاصر، ولا سيّما حين يقوم الراحل بتدوين بعض تفاصيل رحلته، وما يعترك في داخله إزاء المناطق والمعالم التي يمرّ بها، بحيث يدور حوار ثقافيّ رفيع بين المشاعر والعقل من جهة، والمعلم المستنطق أو المكان المُزار من جهة أخرى، بحيث تخرج الرحلة عن إطار الفرديّة وتنطلق من الذات في دوائر من التفاعل والتواصل والتصوير والاكتشاف، ولا تبقى اللذّة مقتصرة على الكاتب فقط، بل ينقل عدواها إلى قارئه أيضا.

يحظى أدب الرحلات باهتمام لافت من قبل الأدباء الرحّالة الذين يخوضون مغامراتهم لاكتشاف مناطق مجهولة، ولا يخفى أن رحلة الكاتب لا تظل رحلة فردية مقتصرة عليه فقط، بل تكون رحلة تاريخية بدورها، ذلك أنه يقوم بتدوين ملاحظاته ومشاهداته؛ ينبش في خلفية الأمكنة التي يرتحل بينها، يتعرف إلى أهلها ويعرف قرّاءه بكل ذلك، وينقل لهم ثقافات الشعوب التي يرحل إليها وبين ظهرانيها.

أدب الرحلة يحتلّ موقعا راسخا في الذاكرة الأدبيّة، ومن الأدباء المعاصرين الذين يمكن تذكّر بعض ما كتبوه في هذا السياق، يحضر الأديب الإيطالي ألبرتو مورافيا (1907 – 1990)، الذي قام في منتصف سبعينات القرن العشرين برحلات معمّقة إلى القارة الأفريقية، أبحر في أدغالها، غاص في صحاريها، نقل اكتشافاته على شكل ملاحظات ومذكرات وتحليلات وتأويلات لقرّائه في كتابه “رسائل الصحراء”، فاكتسبت رحلته بذلك أبعادا ملحمية، وأخرى استكشافية تعريفية.

كما يحضر إلياس كانيتي المنحدر من أصل بلغاري (1905 – 1994)، -حائز على جائزة نوبل سنة 1981-، الذي سبر أغوار مدينة مراكش المغربية في كتابه “أصوات مراكش”، كأديب رحّالة مستكشف، وقد تبدّى كتابه كرسالة شغف بالمدينة وأهلها وطباعهم وعاداتهم وتفاصيل حياتهم وعلاقاتهم فيما بينهم، ومع الوافدين والزوّار والسائحين.

لا يخفى أنّه لا شيء كالأدب قادرا على تجسير الفجوات بين الشعوب، والتقريب بينها، وتعريفها ببعضها بعضا بعيدا عن روح العداء والاستعداء، ومن هنا تظلّ الكتابة جسرا دائما للتواصل بين الثقافات والشعوب، ويكون أدب الرحلة رحلة أدبيّة تمهّد لترسيخ جذور علاقات مبنيّة على لذّة اكتشاف الآخر من منطلق الثراء الإنسانيّ.


كاتب من سوريا

15